نيبال والدرس الفلسفي للعصر الرقمي

في إحدى أمسيات العاصمة كاتماندو (Kathmandu) الملبّدة بالقلق، جلست فتاة في العشرين، تدعى أشا (Asha)، على سطح بيتها الصغير. كانت المدينة تحت حظر التجوال، الشوارع خاوية إلا من همسات الريح، لكن شاشة هاتفها كانت تضج بالحياة. كتبت أشا: “لسنا أصواتًا صامتة، نحن جيلٌ يرى الحرية في الضوء الأزرق للهاتف أكثر مما يراها في خطابات الساسة”. ضغطت زر الإرسال، وفي لحظاتٍ صارت مقولتها تتردّد بين آلاف الهواتف في أنحاء نيبال.
لم يكن فيسبوك أو تويتر أو غيرهما عندها محض تطبيقات، بل ساحات حقيقية أوسع من ميادين العاصمة، فيها تشكّلت الهتافات، وفيها انفجرت الصور التي فضحت قمع الشرطة، ومنها بدأ جيل بأكمله يدرك أنه يستطيع أن يكتب تاريخه بيده، ولو بالحروف الرقمية. لم يقتصر البث القصير الذي أطلقته أشا على تغيير مصيرها وحدها، بل صار رمزًا لانفجار جماعي: احتجاجات شبابية بلا قائد، ثورة رقمية ضد الفساد والحجب، وصراع بين دولة تريد أن تحجب الشاشات، وشباب يرون في تلك الشاشات نافذة على مستقبلهم!
عندما أعلنت الحكومة النيبالية حجب المنصات، ظنّت أنها ستغلق نافذة على الفوضى، لكنها في الحقيقة فتحت الباب على مواجهة أعمق: مواجهة بين دولة لا تزال أسيرة هياكلها القديمة، وجيل يعرّف نفسه بالحرية الرقمية، ويرى أن حقه في الوصول إلى الكلمة لا يقل قداسة عن حقه في الهواء والماء. هكذا، من خلف شاشة صغيرة، خرجت نيبال إلى أكبر امتحان سياسي لها منذ سنوات. لم تكن الاحتجاجات محض رد فعلٍ على حظرٍ إلكتروني، بل كانت إعلانًا فلسفيًا: أن الحقيقة لم تعد تكتب في الصحف الرسمية ولا في بيانات الحكومات، بل تصاغ في فضاء الشبكات، حيث الكلمة تنتقل عبر إصبع وشاشة إلى آلاف العقول في لحظة خاطفة!
حين اتخذت الحكومة قرارًا بأن تسكت فيسبوك ويوتيوب وتويتر بحجة “فرض النظام والاستقرار”، كانت تظن أنها تحكم قبضتها على مواطنيها. لكنها لم تدرك أنّها كانت بذلك تطلق بيدها شرارة الفوضى التي أرادت منعها، وتطلق جيلًا جديدًا في رحلة نحو تفكيك الخطاب المهيمن. لقد نظر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) إلى مفهوم الخطاب (Discours) لا بوصفه محض نسقٍ من الألفاظ أو تراكيب لغوية تلقى في الفضاء العام، بل بوصفه منظومة متشابكة من الأفكار والقوانين والأعراف والمعايير التي تترسخ في الوعي الجمعي وتعيد تشكيله باستمرار، فالخطاب–وفقًا لرؤيته– ليس كلامًا عابرًا، بل وعاء للسلطة وأداة غير مرئية تعيد إنتاج علاقات القوة وتحافظ على توازناتها الدقيقة داخل المجتمع. وعندما ينهض الشباب أو تنبثق الحركات الاجتماعية لتوظيف أدوات العصر –مثل وسائط التواصل الرقمي– من أجل بث روايات بديلة تخالف السردية السائدة، فإنهم في الحقيقة ينخرطون في فعلٍ فلسفي وسياسي عميق: إنهم يعيدون مساءلة الخطاب المهيمن، ويفككون بنيته المستترة، ويكشفون عن الآليات التي يحاول عن طريقها فرض ذاته أنها حقيقة مطلقة لا جدال فيها. وهكذا، يصبح الفضاء الافتراضي ميدانًا لمعارك رمزية تتقاطع فيها اللغة مع السلطة، وتتحول فيه الكلمة إلى أداة مقاومة لا تقل شأنًا عن أي فعل ميداني مباشر.
لقد أعلنها الخطاب الرسمي صريحةً: “الحجب من أجل الأمن”. غير أن جيل زد (Gen Z) (مواليد الفترة من منتصف التسعينيات حتى بداية العقد الثاني من الألفية)، الجيل الذي تربى في فضاء الشبكات لا تحت وصاية الإعلام الحكومي، قرأ الحقيقة على نحو آخر: “الحجب من أجل إسكاتنا”. هنا انكشف التناقض بين ما تردده السلطة وما يعيشه الناس، وبين الرواية التي تكتب في الصحف الرسمية وتلك التي تنبض في هواتف الشباب. وما بين هذين الفضاءين، انطلقت المواجهة: عشرات القتلى والجرحى، مطاردات عنيفة للمسؤولين، وانكشاف صارخ لعمق الفجوة بين الدولة ومواطنيها.
لم يكن ما حدث في نيبال محض واقعية جزئية معزولة، بل هو في الحقيقة فصلٌ جديد من حكاية قديمة تتكرر بأشكالٍ مختلفة. في الربيع العربي (2011)، كانت شبكات التواصل الاجتماعي الشرارة التي حوّلت الغضب الفردي إلى طاقة جماعية، وخرجت الحشود لتعلن سقوط جدران الخوف، بعدما صار فيسبوك جدارًا موازيًا يكتبون عليه حريتهم. لقد غاب التنسيق الحزبي التقليدي، وحلّت الشبكة منسقًا غير مرئي. وكان الشباب –جيل الألفية حينذاك– هم القوة الدافعة. لكن الاختلاف مع نيبال لافت: ففي العالم العربي، المطالب انصبت على إسقاط أنظمة راسخة، وردت بعض الحكومات بالقمع الدموي أو الحرب الأهلية. أما في نيبال، فقد كانت المطالب مرتبطة بالفساد والسيادة الرقمية، وجاء الرد باستقالة رئيس الوزراء ورفع الحظر استجابة أولية.
وفي هونج كونج (2019)، برزت تطبيقات مشفّرة مثل تيليغرام (Telegram) وإير دروب (Airdrop) كونها أدوات لتنظيم المظاهرات اللا مركزية. لم يكن هناك قائد محدد، بل شبكة حية تنبض بالتكتيكات المتغيرة: شعارات سريعة، واستراتيجيات لتفادي الرقابة. هنا كان المشترك مع نيبال الحركات بلا قادة، واستخدام التكنولوجيا البديلة لمواجهة القيود. لكن الفارق أن هونج كونج كانت في مواجهة مباشرة مع قوة إمبراطورية الصين واستمرت لأشهرٍ طويلة، في حين أن في نيبال كان الصراع داخليًا مع سلطةٍ هشة، فجاء الانفجار سريعًا وعنيفًا.
وفي تشيلي (2019)، كانت جذور الحراك اقتصادية – اجتماعية: التفاوت الطبقي وغلاء المعيشة. لكن الشبكات الرقمية أدت دورًا محوريًا في فضح العنف الأمني وحشد الجماهير. والنتيجة: تنازل سياسي كبير تمثل في صياغة دستور جديد. يتمثل وجه التشابه مع نيبال في أن الفساد والتفاوت كانا خلفية الغضب، وفي أن الدولة قدمت تنازلات ملموسة. غير أن نقطة البداية مختلفة: تشيلي بدأت من احتجاج اقتصادي، فيما نيبال انفجرت أولًا من حظر رقمي ثم اتسعت إلى قضايا الفساد والشرعية السياسية.
في هذه اللحظات التاريخية كلها، برزت وسائل التواصل الاجتماعي لا كونها محض أدوات، بل ساحات عامة جديدة، ومصانع للوعي الجمعي. غير أن نيبال أضافت معنى آخر: لأول مرة، لم تكن الشبكات فقط وسيلة للاحتجاج، بل أصبحت موضوع الاحتجاج ذاته، فالصراع لم يكن على قرار اقتصادي أو قانون سياسي فقط، بل على الحق في الاتصال بالعالم، على حرية أن تكون جزءًا من الحوار الكوني! وفي هذه اللحظات التاريخية كلها تجلى الخيط المشترك عبر ثلاثة أبعاد، أولها بروز التكنولوجيا أنها أداة تحرر، ففي الحالات جميعها كسرت الشبكات احتكار الدولة للمجال العام، وثانيها زخم السياسة الشبكية بلا قيادة، تلك التي تميزت بسرعة التعبئة، لكنها حدّت من القدرة على التحول إلى مشروع مؤسسي مستدام، وثالثها تباين رد فعل الدولة: من القمع الوحشي (العالم العربي)، إلى التضييق الذكي (هونج كونج)، إلى التنازلات الإصلاحية (تشيلي)، وصولًا إلى الانفجار السياسي السريع (نيبال).
من المنظور الفلسفي، كشفت احتجاجات كاتماندو عن الصراع الأبدي بين حرية التعبير وسيطرة الدولة، إذ تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه الساحة العامة الرقمية (Digital Public Sphere)، على غرار ما وصفه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) حين تحدث عن المجال العام (Public Sphere)، إذ يجتمع الناس لتشكيل رأي جمعي يتجاوز الأفراد. غير أن الدولة حين تحكم قبضتها على هذا المجال فإنها لا تحجب محض تطبيقات، بل تخنق القدرة على الحوار العمومي ذاته. وهنا ينهض السؤال الفلسفي الجوهري: من يملك الحقيقة؟ ومن له الحق في إدارة الوعي؟ هل هي الحكومة، بوصفها وصية على النظام؟ أم المجتمع ذاته، عبر وسائطه التكنولوجية التي باتت لغة أجياله الجديدة؟
الحق أن جيل الشباب لم يعد محض مستقبل مؤجل، بل أصبح في الحاضر قوة سياسية حية، تسكن الفضاء الشبكي وتعيد تعريف السياسة ذاتها. وبعبارة أخرى، نحن أمام تحول من السياسة التقليدية –القائمة على الأحزاب والنقابات– إلى سياسة شبكية (Networked Politics) قوامها الخوارزميات والهاشتاجات، إذ يكفي وسمٌ عابر (#) ليشعل مظاهرة أو يفتح أفقًا للاحتجاج. هذا الجيل، إذ يواجه السلطة عبر أدوات التكنولوجيا، يجسد انتقالًا من السياسة بوصفها مؤسسة إلى السياسة بوصفها فعلًا آنيًا، سريعًا، لا مركزيًا، ومفتوحًا على احتمالات التمرد!
إن السلطة –كما أشار ميشيل فوكو– ليست محض أداة سياسية، بل منظومة معرفية، بمعنى أن من يملك تعريف الحقيقة يملك القدرة على توجيه المجتمع. وحين حجبت الدولة في نيبال المنصات الرقمية فإن هذه الأخيرة لم تسع فقط إلى ضبط حركة الشارع، بل حاولت أيضًا فرض نسختها الخاصة من الواقع. غير أن الشباب الذين تحرروا من وصاية الإعلام الرسمي، وجدوا أن الحقيقة تكمن في فضاء الشبكات، حيث التعدد والاختلاف واللا يقين، لا في خطاب الدولة الواحد. وهنا يظهر التوتر بين رؤيتين فلسفيتين: رؤية فوكو الذي ذهب إلى أن الحقيقة دومًا أسيرة علاقات القوة، ورؤية هابرماس الذي وضع ثقته في إمكانية قيام توافق عقلاني عبر الحوار الحر في المجال العام، إن ترك المجال مفتوحًا بلا قيود.
يضيف الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر (Martin Heidegger) منظورًا فلسفيًا ثالثًا أكثر جذرية، فالمشكلة عنده لا تقتصر على محض صراعٍ بين الدولة والمجتمع، بل تمتد إلى طبيعة علاقتنا بالتكنولوجيا ذاتها. ويحذر هايدغر من أن التكنولوجيا ليست محض أدوات محايدة نستخدمها، بل طريقة لكشف العالم تجعلنا نرى الأشياء –بل والإنسان ذاته– أنها مخزون قابل للتوظيف والسيطرة. وفي هذا السياق، حين يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة احتجاج، وحين يصبح الإنسان حاضرًا في العالم عبر شاشةٍ وهاتف، فإننا أمام إعادة تشكيل للكينونة الإنسانية ذاتها. ولا يؤدي حجب الدولة لهذه الفضاءات إلى تضييق نطاق الحريات السياسية فقط، بل يعمق اغتراب الإنسان الذي لم يعد يجد وجوده إلا في هذا الحضور الشبكي. ومن هنا، فإن الأزمة ليست سياسية أو معرفية فقط، بل أيضًا أزمة وجودية: كيف يمكن للإنسان أن يقيم أصالة وجوده في عالم تحكمه التقنية وتعيد صياغته باستمرار؟
أما من المنظور السياسي، فقد شهدنا للمرة الأولى كيف يمكن لمنصة تكنولوجية –مثل فيسبوك أو يوتيوب– أن تهز استقرار دولة بأكملها، لا بقرارٍ سياسي بل بخوارزمية أو تحديث، ورأينا كيف تبدت وسائل التواصل الاجتماعي كفاعلٍ غير منتخب يفرض حضوره على استقرار الدول كما لو كان مؤسسة سيادية. لقد كشف غياب تسجيل هذه الشركات لدى الحكومات عن هشاشة السيادة الوطنية، إذ صار قرار يتخذ في وادي السيليكون يعادل –وربما يتجاوز– قرارًا صادرًا عن البرلمان في كاتماندو. وهكذا، لم تعد السلطة حكرًا على المؤسسات المنتخبة، بل شاركتها كيانات رقمية عابرة للحدود.
صحيح أن الدولة حاولت أن تستعيد سلطانها عبر سن قوانين للتسجيل والرقابة، غير أنها اصطدمت بحقيقة أن مواطنيها باتوا يتواصلون عبر فضاءات لا تعترف بالحدود. وهنا يطل سؤال سياسي معاصر بثقله كله: هل تستطيع الدولة أن تمارس سيادتها في زمن العولمة الرقمية، أم أن خيوط السلطة قد انزلقت إلى أيدي كيانات رقمية لا وطن لها؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم نجد في هذه الاحتجاجات قيادة حزبية تقليدية أو شعارات صادرة عن نقابات عتيقة، بل وجدنا جيلًا جديدًا يصوغ حركته بأدوات الشبكة، في بعدٍ أفقي لا مركزي، إنها نهاية السياسة الكلاسيكية كما يعرفها كثيرون، وبداية سياسة تتشكّل من تدفق الصور والهاشتاغات.
هكذا تكشف لنا أحداث نيبال أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد محض أدوات عابرة للتواصل أو نشر المعلومات وتبادلها، بل غدت بنية تحتية للثورات، ومسرحًا جديدًا للحركات الاجتماعية والسياسية، وقوة تاريخية تعيد رسم ملامح العلاقة بين المواطن والدولة، وتفرض حضورها كبرلمان موازٍ أو كمجالٍ عام لتشكيل الرأي الجمعي المؤثر. لقد تراجعت سطوة النخب السياسية والإعلامية، إذ لم تعد هي من يضع الأجندة العامة، بل الخوارزميات وتفاعلات الجموع التي تصوغ اتجاهات الرأي لحظة بلحظة. ومع ذلك فإن هذا المشهد، على ثرائه وطاقته، ينطوي على خطر التحول إلى فوضى، إذ إن غياب المؤسسات الوسيطة يترك الحركات رهينة الانفعالات اللحظية والانفجارات العاطفية، مما يعقّد إمكانية بلورة مشروع سياسي متماسك ومستدام، ويضعنا أمام ضرورة إعادة التفكير في معنى الديمقراطية وحدود السيادة في زمن تتشكل فيه الحقائق والشرعيات على إيقاع العصر الرقمي.
مقالات ذات صلة:
الاقتصاد الجديد .. اقتصاد المستقبل
أنا هنا أيها العالم.. هل تحول الإنسان إلى سلعة ؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا