العربدة الأخيرة!

حين بدأ فرعون اتفاقه الاستراتيجي، مع نخبة النخبة من السحرة في المدائن، التي كانت تشكل إقليم الشرق الأوسط، كان الاتفاق واضحًا وصريحًا، ولم يكن به أي درجة من الشك أو التشكيك، وكانت هذه الساعة بالنسبة إلى فرعون ونظام حكمه “ساعة الحسم”، فقد طال الموضوع بأكثر مما ينبغي، والحس الأمني عند مستشاري فرعون كان يشير دائمًا إلى أن هناك خطرًا حقيقيًا يلوح في الأفق.
وهو ما بدأ فرعون في استشعاره بحق، لقد كان يعلم أنه يكذب، والناس كانوا يعلمون أنه يكذب، حين قال لنفسه ولهم: “ما علمت لكم من إله غيري”!
المصريون أصلًا كانت قصة وجودهم في التاريخ قبل فرعون وبعده هي بالفعل “قصة الإيمان”، كان “الأزل والأبد” لديهم هو الحقيقة التي تسكن قلب كل حقيقة، تتعلق بالوجود الحق في عالم الحق، الذي أبدعه الحق سبحانه وتعالى.
لكن المصريين دائمًا كانوا عبر التاريخ أساتذة السياسة، التي تتعلق بتدبير الحياة والمعاش، حين يكون أحد أهم أطراف حياتهم “مقبوض عليه” في يد سلطة تجرأت على حقائق الوجود.
فما بالك بما يمكنه فعله بهم وبعائلاتهم وبأحوال معاشهم؟! لذلك كان عليهم أن يصدقوا أكاذيبه، بل ويهللوا له في الأعياد والمناسبات.
لكن الأمر كان مختلفًا مع السحرة.
لقد شاء الله لهم أن يقفوا وقفة حاسمة وجهًا لوجه أمام “الحقيقة المطلقة” التي لا تحتمل لغو الأقاويل، فكان عليهم أن يختاروا، وفورًا، والآن، وحالًا، ففكروا وفعلوها!
لماذا؟ لأن هناك فطرة قديمة تسكن نفوس أبناء آدم، منذ خلق آدم تقول: “أنا أفكر إذًا أنا موجود!”.
هذا “الكوجيتو” كما يسمونه، لم يكن يحتاج الفيلسوف الفرنسي ديكارت وفلسفاته الحائرة، ليدركها أي صاحب فطرة وصاحب عقل رشيد، وها هم السحرة قد أدركوه دون سفسطة.
والأهم أنهم صاغوا حوله بيانهم التاريخي عن الوجود والفناء: “إنما تقضي هذه الحياة الدنيا”.
“لغو الأقاويل” سمعناه كثيرًا من الاحتلال الصهيوني الغربي لفلسطين من يوم 7 أكتوبر، ومارسه نتنياهو إلى حد أنه يخيل إلينا أنه هو نفسه لم يعد يصدق أنه هو نفسه، فالكذب حين يطول ويستطيل يسيطر على إدراك الكذّاب سيطرة كاملة.
هكذا علمنا الإسلام العظيم، النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال للإنسانية كلها عبرنا: أن الكذب يهدي إلى الفجور، والفُجر على قدر ما فيه من بؤس بئيس إلا أنه يثير في الإنسان شعور السخرية على هذا الكذّاب.
وزير خارجية أمريكا كذب علينا مؤخرًا كذبتين من أطرف الأكاذيب، ليس فقط بما فيهما من كذب صريح، لكن لأنهما قريبي العهد بالحاضر، الذي سيبصق عليه استنكارًا لأكاذيبه.
الكذبة الأولى أن “إسرائيل أمة بُعثت من رماد”! والتاريخ والدنيا والناس يعلمون أنه يكذب.
وكنت قد نقلت كثيرًا هنا عن الفيلسوفة الألمانية/ اليهودية حنا أرندت (ت/1975م) التي كانت دائمة التشكيك في فكرة مشروع صهيوني تبشيري ليهود العالم! يدعو للعودة لبلاد الأسلاف، كوطن ميثولوجي يقوم على أساطير وقصص تراثية مقدسة.
بل وكانت من الأصوات المبكرة جدًا التي فضحت تعاون المجالس اليهودية مع النظام النازي في ألمانيا، مما زعزع الاعتقاد بأن اليهود هم “ضحايا دائمون”، وأن ذلك كله كان مشروعًا صهيونيًا لا علاقة له باليهود واليهودية.
وفي عام 2011 م تحدث الفيلسوف اليهودي البولندي الشهير زيجمونت بومان (ت 2017م) عن نفس المعنى في مقابلة صحفية، وقال: “إسرائيل تستخدم الهولوكوست عذرًا لشرعنة أفعالها المتوحشة”، وشبّه الحواجز التي تضعها إسرائيل في الضفة الغربية (وقتها) بالجدران التي كانت تضعها النازية في وارسو عندما قتل اليهود في الهولوكوست.
المفكر البولندي الشهير هجر أبويه اليهوديين حين رأى أن لهما ميولًا صهيونية. وتفرغ لفضح كل ذلك بصدق المفكر، ونزاهة الفيلسوف، وترك للإنسانية مشروعه الفكري الرائع حول “الأفكار السائلة”.
والكذبة الثانية للوزير الطريف، كانت بقوله أن كل شيء بدأ يوم 7 أكتوبر، الجملة من ناحيتي الشخصية صحيحة، وصحيحة تمامًا، وقالها الحاج يحيى وأبو خالد وهما يُحضّران له، والأعظم لم يأت بعد.
لكن من ناحية السياسة والتاريخ والأقاويل التي تظهر وتختفي، هي كذب، ويصح هنا أن نستشهد بأول جملة قالها أمين عام الأمم المتحدة جوتيريش بعد 7 أكتوبر، قال: “إن 7 أكتوبر لم يأتِ من فراغ”.
كان قبله ما هو موثق بوسائل التوثيق الحديث كلها عن الظلم والبغي والاعتداء والفجور الذي مارسه الغرب/ الصهيوني تجاه أمة وشعب، تعيش هنا عيشًا متصلًا موصولًا، بكل أسباب التواصل التاريخي والحضاري من مئات السنين.
من أهم عطاءات “طوفان الأقصى” وما قدمه للأمة والتاريخ، وبأثمان غالية جدًا وباهظة جدًا، هو “شمولية المعركة”، والذهاب بها إلى مداها الأقصى، في كل ما يتعلق بها استراتيجيًا وتاريخيًا.
الحرب الطويلة في غزة والعجز عن تحقيق أهدافها هو “قلب الموضوع” الذي يحاول الغرب/ الصهيوني الهروب من مواجهته أو مواجهة نتائجه.
وذلك عبر حروب متتالية في جبهات متعددة، تتخذ شكل العربدة والبلطجة في حمى الحامي الغربي الكريه الوضيع.
الحروب الإقليمية كلها التي خاضتها إسرائيل في السنتين الماضيتين، بما فيها قصف الدوحة العاصمة القطرية، حروب هروب من النهاية.
المدهش أن عملية القصف التي وقعت في قطر، كانت فشلًا ذريعًا للدولة التي اتخذت القرار، والجيش الذي نفذ القرار، والاستخبارات التي قدمت المعلومات للقرار.
لقد كانت محض فشل ذريع –كما قالت القناة 13 الإسرائيلية– وكتبت بعدها جريدة هآرتس: الهجوم الفاشل على الدوحة يبدد وهم قدرة إسرائيل على فعل ما تريد.
هم يعلمون أن الوهم كان قد تبدد بالفعل من يوم 7 أكتوبر.
د/ عبد الوهاب المسيري رحمه الله أخبرنا عن العربدة التي ستمارسها إسرائيل في المنطقة وهي تشعر بقرب نهايتها.
إنها إذًا “العربدة الأخيرة”.
مقالات ذات صلة:
ستزيد من الدم دماء؟ سترى.. ونرى
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا