غزّة.. هل يصحّ أن تختفي؟

شبح الأندلس
هل خطر ببالك يومًا أن تستيقظ على خبرٍ عابرٍ، تقول فيه وكالات الأنباء ببرودٍ جليديٍّ: “كانت هنا مدينةٌ تدعى غزّة”؟ أيمكن أن ينقشع الدّخان عن ركامٍ لا يبقي من الحجارة إلّا أسماءً في الكتب، مثلما ذكرت الأندلس، أو بابل، أو قرطاج، ثمّ تطوى الصّفحات كأنّ شيئًا لم يكن؟
ما وراء الخرائط
غزّة ليست بقعةً جغرافيّةً على خريطةٍ ملوّنةٍ، ولا محض اسمٍ تتداول حروفه في نشرات الأخبار. إنّها آخر ما تبقّى لنا من مرآةٍ نرى فيها ملامح الرّجولة، آخر شاهدٍ على أنّنا كنّا هنا ذات يومٍ. ومع ذلك، نخذلها كلّ ساعةٍ، نتركها وحدها تواجه المدافع والبارود، في حين ننشغل نحن بالجدل العقيم والتّناحر على فتات موائد السّياسة.
درس الأندلس
لقد كانت الأندلس حضارةً تشعّ على الدّنيا، لكن حين دبّ الوهن في العروق، وحين غرق أهلها في خلافاتهم، سقطت، وتحوّل الفردوس المفقود إلى ذكرى. ونحن اليوم نكرّر ذات المشهد: نكتب بيانات التّضامن، وننظّم مهرجانات الخطابة، لكنّنا لا نكسر قيود العجز ولا نواجه الطّوفان.
صرخة غزّة
غزّة تصرخ في وجوهنا: أين أنتم؟ ونحن نجيبها بالصّمت، أو بما هو أشدّ قسوةً من الصّمت: بالاعتياد. اعتياد الدّماء، اعتياد الخراب، حتّى صار الموت في شوارعها خبرًا عاديًّا نمرّ عليه بأعينٍ زجاجيّةٍ.
خيانة الوعي
أيّ ذنبٍ أعظم من أن ترى مدينةً تباد حيًّا حيًّا، فلا تهتزّ في داخلك غيرتك، ولا تنعقد في قلبك عزيمة نصرةٍ؟ إنّ تقصيرنا في الدّفاع عنها ليس ضعفًا في القوّة وحدها، بل هو ضعفٌ في الوعي، عجزٌ في الإرادة، خيانةٌ للتّاريخ.
الامتحان الأخير
فكّر، لو اختفت غزّة كما اختفت الأندلس، أيّ وجهٍ يبقى لنا أمام الأجيال؟ أيّ عذرٍ سنسوقه أمام الله؟ سنقول إنّنا كنّا مشغولين، متعبين، عاجزين؟ أم سنعترف أنّنا كنّا غافلين، وتركنا البقيّة الباقية من كرامتنا تذبح أمام أعيننا؟
غزّة اليوم ليست امتحانًا لأهلها وحدهم، بل امتحانٌ لنا جميعًا: امتحان ضمائرنا، ومروءتنا، وذاكرتنا. إن ضاعت، ضاعت معها آخر شظايا العزّة. وحينئذٍ، لن نكون قد فقدنا مدينةً، بل فقدنا أنفسنا.
مقالات ذات صلة:
الإبادة الجماعية في علم الاجتماع العسكرى بالتطبيق على حرب غزة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا