تأثير قانون على حياة أسرة

يوسف متزوج من زميلته مي منذ نحو عشرين سنة. تزوج يوسف من زميلته مي سنة 2005، كلاهما يعمل في المؤسسة نفسها، متقاربين في العمر ودفعة التخرج والأفكار.
أنجب يوسف ومي طفلهما الأول سنة 2007 والثاني سنة 2010.
يوسف رجل يحمل معاني الرجولة، يعرف أن الرجل مسؤول عن القيادة والرعاية والإنفاق على البيت، ويتولى مسؤوليات البيت، تحترمه مي كل الاحترام وتنظر إليه بإجلال.
مي زوجة محترمة مخلصة مثل أغلب النساء المصريات، مكافحة جدعة تقف مع زوجها، سكن ومودة ورحمة ورعاية للبيت.
كلاهما ملتزم دينيًا وأخلاقيًا، يعرف معنى العيب والحرام، ومعنى الحلال والصح.
يترقى كل من يوسف ومي بالتدريج في عملهما، في المؤسسة نفسها.
يتزايد الدخل، وتتزايد معه أعباء الحياة ومسؤولياتها، لكن يوسف دائمًا يحرص على أن يكون هو الرجل الذي ينفق على البيت، ولا ينفق من مال زوجته.
قد تشتري براتبها أشياء حين تريد، بعد إذن زوجها، لكن يظل الإنفاق مسؤولية الزوج الرجل.
في سنة 2015، وصلت إلى المؤسسة تعليمات وقوانين جديدة اسمها تمكين المرأة، وهي تفضيل النساء في الترقيات للوظائف.
ظهرت فرصة للترقي، تقدم لها يوسف ورُفِض، ولم تقدم مي. ظهرت فرصة أخرى، تقدم يوسف ورُفِض، ولم تقدم مي. ظهرت فرصة ثالثة، الأمر واضح، هم يريدون ترقية النساء، لو رجل ستُرفَض!
ناقشت مي الأمر مع زوجها، هل تقدم؟!
الحياة صعبة، المصاريف تتزايد، أي شيء يساعد في المصاريف وتربية الأولاد، نحن أولى به.
وافق يوسف على مضض، وهو متردد، لكن بشرط أن يظل هو المسؤول عن الإنفاق على البيت، هو الرجل، حتى لو ستتقاضى ملايين، حتى لو حتقبضي مليون جنيه في الشهر!
طبعًا يا يوسف، إحنا حاجة واحدة، متزوجين من عشر سنوات، عشرة طيبة، وراجل صالح، وزوجة صالحة.
تقدمت مي، قُبِلت الترقية. بالتدريج بدأت تترقى مي، من موظف إلى مدير، إلى مدير أكبر، إلى مدير أكبر، في حين تسير ترقية يوسف ببطء. مي يتزايد دخلها وراتبها، في حين يوسف يزيد راتبه زيادات تافهة.
مي اليوم مديرة كبيرة في مؤسستها، تجتمع مع علية القوم وأصحاب العقول والمهارات، يتحدث معها الجميع باحترام شديد، ولها سلطة.
تتحدث في مواضيع هامة وصفقات بالمليارات، وتتناقش مع أصحاب القرار، وتحضر مؤتمرات ودورات واجتماعات وتستمع إلى مواضيع هامة عالية المستوى.
في حين لا يزال يوسف يعيش وسط زملائه في خدمة العملاء، يتحدثون في المواضيع التافهة، الصراعات اليومية الصغيرة وحروب الصغار على الفتات، كل من حوله بسطاء متوسطو الذكاء، يتحدثون في كرة القدم والأفلام وتقاليع السوشيال ميديا وفضائح الممثلين. يتصارعون على الأمور البسيطة ويتحدثون في الأمور التافهة.
بدلًا من أن يتطور كل من يوسف ومي معًا بالتدريج كما كانا طوال عشر سنوات، تطورت مي للأعلى ماديًا وعقليًا، وظل يوسف في مكانه لم يتطور.
غصب عنه، مش بمزاجه ولا كسلًا منه.
بالتدريج تتراجع عدد الاهتمامات المشتركة ومستوى التفكير والحوار المشترك؛ هي تتحدث في مواضيع وأفكار عالية المستوى، وهو يتحدث في مواضيع بسيطة.
بالتدريج، بدأت نظرة مي ليوسف تتغير، أصبحت تنظر إليه على أنه قليل! لا يملأ عينيها، بعد أن كان لها العالم كله والدنيا كلها.
بدأت تراه الرجل القليل الحيلة الضعيف القدرات، حين تقارنه بالرجال الذين تجتمع معهم كل يوم في المؤتمرات والاجتماعات. أصبحت هذه النظرة تظهر في علاقتهما. بدأ النفور، عدم الرضا، الغضب المكتوم بلا تفسير منطقي.
من ناحية أخرى أصبح يوسف غاضبًا دائمًا لأنه يشعر بأنه أقل من زوجته، لا يملأ عينيها، لا يشعر بالاحترام والتقدير.
رغم أن كلاهما موافق على ما يحدث بالمنطق والعقل، وكلاهما ملتزم بشروط الاتفاق، أنه الرجل ومسؤول عن الإنفاق، لكن التفاصيل كثيرة، والغضب المكتوم تظهر آثاره على الطرفين.
هذه القصة تحكي تأثير قانون على حياة أسرة، تحكي عن قصص كثيرة مشابهة تحدث اليوم في 2025، بدأت بحسن نية، لكن تنتهي نهاية مأساوية.
زوج وافق على أن تسافر زوجته من أجل لقمة العيش وأن يسافر معها مرافقًا للزوجة.
زوجة تفضلها القوانين في التعيين والحصول على عمل، ورجل يفقد وظيفته لسبب أو لآخر ولا يجد وظيفة أخرى.
هنا لا يوجد مذنب، لا يوجد شخص على خطأ، لكنه تلاعب القوانين النسوية وتدمير الحكومات للأسرة بطرق غير مباشرة. تمكين المرأة، تدمير العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة التي تعوّد البشر عليها طوال ملايين السنين، لأنها الطبيعة المناسبة لخلق الله لنا، رجل قائد ينفق، ومرأة ترعى البيت وزوجها وتقدم السكن والمودة والرحمة.
قد يسألني أحد المتابعين، وما الحل؟! يوسف ومي اليوم في أواخر الأربعينيات من عمرهما! مرحلة جني الثمار! ثمار الكفاح والبناء! ما الحل؟ هل الطلاق وتدمير الأسرة وتشريد الأولاد بعد عشرين سنة زواجًا؟
أو التنظير بتاع رجال الأعمال الفاحشي الثراء مثل إيلون ماسك ونجيب ساويرس: فيها إيه يطور نفسه وينجح يوسف ويبقى ملياردير بس يتعب شوية؟! خرافة أن العيب في الناس وكسلهم!
يشتغل على نفسه ويطور نفسه! خرافات وأكاذيب التنمية البشرية.
أم الدخول في صراعات يومية وأسرة تعيسة وأبناء معقدين؟ أم تستقيل الزوجة وتضحي بالدخل الكبير والمنصب الرفيع الذي حققته؟ وماذا عن نفقات الأولاد التي تتزايد، هل تحرمهم من الرزق الذي جاء؟
أم البحث عن وظيفة أخرى، رغم صعوبة الحصول على وظيفة أخرى، بخاصة للرجال اليوم؟ أم الهرب؟ أم يدخل الزوج في علاقة حرام كي يشعر أنه رجل في الظلام مع من يشبع لديه الرغبة في الشعور بالاحترام والتقدير؟! أم؟! أم؟!
كلها حلول أبشع من بعضها، وسهل أن يقترحها الناس، كلام نظري سهل، المواعظ سهلة! لكن تطبيقه صعب جدًا، حياة ناس. الذي يده في المياه ليس مثل الذي يده في النار!
لكن في النهاية المشكلة واضحة، يراها الجميع في صمت، ومسكوت عنها، ويخاف الجميع من أن يتكلم!
مقالات ذات صلة:
“النسوية”، هل نحن حقا بحاجة لها؟ هل تعاني المرأة لتلك الدرجة؟
المرأة بين الأسرة والفكر الغربي
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا