مقالات

استواء المآلات

يميل الشبيه إلى شبيهه دائمًا في كل شيء وكل مخلوق يميل إلى بني جنسه للإحساس بقواسم مشتركة، فكما يقولون: “الشبيه إلى شبيهه يطمئن، والتائه لمسكنه يحن”، لذلك الطائع يحب الطائع مثله، والعاصي ينجذب ويجنح للعاصي، حتى الطالب الذي يُدخّن يحب صديقه الذي يُدخّن، والمُتسرّب من المدرسة وحتى أطفال الشوارع يألف بعضهم بعضًا لوحدة الطريق والمصير المشترك، وهكذا.

والإنسان لم يأت إلى الدنيا عبثًا دون فائدة بل جاء لهدف محدّد وهو عبادة الله وحده، وطريق واحد هو الطريق المستقيم، لينال الجزاء الأوفى والأكمل في الدنيا والآخرة.

ولدينا في الأدب المصري مثال غاية في الجمال، وهو قصة الفأرة لرائد من رواد الفن القصصي العربي: محمود تيمور، وخلاصتها أن البنت الصغيرة التي وجدت في الفأرة الصغيرة نَفْسَها وضالتها لتشابه صفحات الحياة والمعاناة والمآلات، ففي البداية كانت الفأرة مُتخوّفة منها ثم رويدًا رويدًا تصادقتا وحنّ الإلف إلى أليفه، ووصل بهما الحال قسمة (البنت والفأرة) كل شيء حتى كسرة الخبز والمواساة وتقفد الآخر والقلق عليه إذا غاب أو تأخر.

لقد صوّر الكاتب المشهد الأخير بفقد الفأرة وما فعلته السيدة معها وهي تصرخ فيها، ثم أشعلت النار في جسد الفأرة الضعيف أمام الجيران، وهي في قِمّة السعادة والانتشاء، والبنت قلبها يحترق على صديقتها المسكينة، ويأخذنا الكاتب إلى نقطة مهمة وهي نشوب النار في بيت السيدة نتيجة تطاير الشرر، كأنّ الله سقاها من كأس ظلمها وقسوتها نفسه.

البنت كانت تخدم تلك السيدة غليظة الطباع سيئة الخلق بلا كساء ولا دواء ولا طعام سوى الفُتات، وتعرّفت على الفأرة في زاوية الحجرة، إذ كانا ينامان بجوار بعضهما بغير طعام ولا شراب ولا أهل، فالتعاطف موجود وطريقهما واحد ومآلهما متشابه.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

إن إبليس لا يريد أن يصطلي بالنار وحده وإنما يعمل جاهدًا على جذب بني آدم إليه بالوسوسة والتزيين والإيعاز لهم بالمخالفة والحيْد عن الطريق المستقيم الذي يؤدي في النهاية إلى الفوز بالنعيم المقيم.

ويتشابه التاريخ في أحداثه ورصده لما يجري للأفراد والدول، وقد يأتي رئيس وزراء أو حاكم دولة أو مسؤول على هوى الغرب على مرّ العصور، ودائمًا يحرص الغرب على تنصيب رجل قوي موثوق به، أو ضعيف الشخصية وهم يساندوه، المهم أن يكون مُنضويًا تحت جناحهم ليرعاهم ويخدم مصالحهم على أكمل وجه.

وفي مثل هذه الحالات –البعيدة عن الإنسانية– يبحث المُجرم عن أليفه الذي يتشابه معه في الصفات والطباع والدناءة، فلن يختاروا مثلًا رجلًا شريفًا يخاف الله، أو عنده من الوطنية ما يمنعه من الخيانة وحب مصلحته الشخصية، أو يُطأطئ رأسه ويخنع للتدخل الأجنبي المُهين واغتصاب الأرض والعِرض.

ولن يرضى المحتل البغيض عن فرد أو دولة أو فصيل حتى يكون مثله ويوافقه على ما يريد، وبعد الموافقة على نزع المهابة والشموخ لا يفي بعهوده ويخون ويغدر، بل ومن السهل اليسير ذبح المخالف كالخراف بدم بارد، مثل المستعمر الإسرائيلي الذي يحتل دولة لا ترتبط به من قريب أو بعيد سوى من بعض الأدلة الواهية التي تحتل أذهانهم ومَن على شاكلتهم ويوافقهم.

إن المحتل الإسرائيلي وداعمته الكبرى أمريكا مصالحهم واحدة، حتى وإن ظهروا في الإعلام مختلفين على أمر ما، إنهم يتفقون في مآله لكن يختلفون في آلية تنفيذه، يتفقون على هدف واحد، حتى وإن كانت على حساب أرض غيرهم أو مصالحه أو حتى حياته هذا لا يهم، وأوروبا الاستعمارية وبعض الدول مثل الهند، وما الطريق الموازي لطريق الحرير الصيني عنا ببعيد، المهم مصالحهم الخاصة وما تؤول إليه، فلا يهم وقف قناة السويس، أو ضرب اقتصاد منطقة الشرق الأوسط، أو خنق مصر وأشقائها.

مقالات ذات صلة:

هوميروس والإنسانية المتحضرة

استقيموا يرحمكم الله

مقاومة الاستعمار هي نية وعمل

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر