مقالات

التعايش

الاستقرار والعيش بسلام والانسجام من الأمور التي تبعث في النفس الطمأنينة والهدوء والتفكير الإيجابي الفعال للعمل على تعمير الكون والنظر إلى المستقبل، ومن ثم تكوين أجيال تمتلك رؤية واضحة حقيقية واعية.

الإنسان لا يستغني عن أخيه الإنسان بالتعامل والتواصل والزواج والعمل، يمتد ذلك إلى الشجر والحجر والجبال والبحار والأنهار وغير ذلك، فالتعامل الإنساني – الإنساني الإيجابي وتعامل الإنسان مع ما حوله يعطي دافعًا وحافزًا للبقاء والحلم، والتركيز في المستقبل المأمول بوضع الخطط لقابل الأيام.

بعد هجرة النبي محمد (ص) نبي الإسلام إلى المدينة هو وأصحابه لم يترك الحبل على غاربه، بل ضبط الأمور مع الفئات المكوّنة لمجتمع المدينة، وكان اليهود يعيشون فيها والمعروف عنهم أن راحتهم في الفُرقة وشقّ الصفوف المُتراصّة ووضع العثرات والمشكلات والإيذاء، واستخدام الحرب الإعلامية المملوءة بالإشاعات والشعارات واختلاق الأكاذيب والتشويه وتدبير المؤامرات والنزاعات.

صحيفة المدينة في عهد الرسول

لهذا، فقد صيغ دستور توافقي سُمي بدستور المدينة أو صحيفة المدينة، ويُعد أول دستور في الدولة الإسلامية الوليدة، هذا الدستور يريح الجميع ويعطي لكل ذي حق حقه في العيش بكرامة وانتماء للوطن الذي ينتسب إليه.

المسلمون مسالمون بطبيعة الحال لأن الإسلام هذّب طباعهم وصفّى أرواحهم وغيّر شخصياتهم، فهم لا يُحبون القتل والتنكيل وقهر غيرهم، أو السّادية والرقص على الدماء والأشلاء، بل يحبون العيش بسلام وأمان والتعايش مع الجميع بطوائفهم وأجناسهم وأشكالهم المختلفة وقبولهم كما هم لأنهم يؤمنون أنّه وبكل بساطة لكل إنسان الحق في الحياة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

نصّ دستور المدينة في بعض بنوده على أن يتصدى المسلمون واليهود وغيرهم لأي عدوان خارجي ويقفوا صفًا واحدًا على مَن عاداهم، وتوافق الجميع ورضوا بذلك، فالقائد رأس الدولة هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والرجوع لأحكام الإسلام، مع ضمان حرية الاعتقاد والعبادة وسائر الحقوق.

إن ترسيم العلاقات وحدود المعاملات داخل الدولة الواحدة مهم لإرساء مبدأ التعايش وعدم بغي طرف على طرف آخر، والأهم منه احترام هذه النصوص والمعاهدات والالتزام بها. تكوّن هذا الدستور من بنود منها الخاص بالمسلمين، ومنها الخاص بتحديد العلاقات بين المسلمين وغيرهم، مع كامل الاحترام والعدل للجميع.

مبدأ التعايش السلمي في التاريخ الإسلامي

والداخل في جوار المسلمين يناله السلام والأمان، ففي معركة اليرموك ومثل عادة الحروب في تلك العصور يخرج مبارز في مواجهة مبارز من الطرف الآخر، خرج أحد قادة الجيش البيزنطي لمبارزة سيف الله المسلول خالد بن الوليد. قبل بدء المعركة حدث حوار بين هذا القائد واسمه “جورج” وخالد، سأله لماذا سُمّي سيف الله وعن هذا الدين الجديد، وحقوق الذي يدخل في الإسلام وواجباته، فصَدَقَه خالد القول وهو صدوق، ومن ذلك أن له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، فأعلن إسلامه وقاتل قتال الأبطال مع جيش المسلمين واستشهد.

وفي قصة عبد الرحمن بن عوف التاجر الثري عندما هاجر إلى المدينة بنفسه ودينه فارًا من بطش كبار مُترفي قريش، وعندما وطئت قدمه المدينة أوخي بينه وبين سعد بن الربيع، وهي قصة مُصغّرة ومشهورة في التاريخ الإسلامي للمؤاخاة والتعايش بين المهاجرين الذين قدموا من مكة؛ تركوا ديارهم وتجارتهم وأموالهم وفروا بدينهم، والأنصار أهل المدينة الذين استقبلوهم وفتحوا لهم ديارهم وتقاسموا معهم الغالي والنفيس بنفس راضية.

في الحقيقة أريد تسجيل نقطة خاصة بي بخصوص عملي في الصين، أنا مسلم وأعمل مع غير مسلمين، ماذا أفعل في صلاة الجمعة؟ الواقع ليس هناك مشكلة فهم يتفهّمون هذا ويحاولون تفريغ وقت للصلاة، وكل شخص له حرية الاعتقاد والعبادة، فيوجد تعايش بين فئات المجتمع الصيني المختلفة، وبينهم وبين الأجانب.

حل الدولتين غير قابل للتحقق

وأطرح لمحة من حديث الساعة الجدير بالإذاعة الذي لا يخفى على ذي عينين، وأعني القضية الفلسطينية المشكلة الشائكة والمتشعّبة، فتوجد إشكالية معروفة سياسيًا ومتداولة إعلاميًا: “حل الدولتيْن”، وهي التي يسعى معظم العرب إليها دون فائدة أو حتى خطوة إلى الأمام، إن معنى حل الدولتين تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وأمان وهدوء يكون في حالة واحدة عند المحتل وهي إذا دخل الجمل في سم الخياط! لم نسمع عن محتل غاصب أعطى أرضًا طواعية أو أقر للطرف الذي اغتصب ممتلكاته وأرضه بحق الحياة الكريمة وبخاصة عندما يكون المحتل “اليهود”.

إن المحتل لن يُقر دولة ذات سيادة للفلسطينيين، وهو يُمعن فيهم سيف الإبادة وتفعيل جرس إنذار “التهجير”، وهو ما ترفضه كل نفس أبيّة منها الدولة المصرية قيادة وشعبًا، هيهات إعطاء شعب حريته من قتلة الأنبياء الذين لا عهد لهم ولا ذمة، وأثبتها التاريخ في صفحاته الأشد ظلامًا وتنكيلًاعلى مر العصور. نحن نحتاج إلى فهم وبعث جديد والمعاملة الجادة والحذرة مع هذا العدو نازي العصر الحديث.

مقالات ذات صلة:

الصراع الاجتماعي بين جدلية الاقصاء وحتمية التعايش

ضرورة قبول الآخر

فلسفة التسامح

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر