مقالات

الأقنعة المتغيّرة

الأخلاق الطيبة والهدوء النفسي والصفاء والجمال الروحي وغير ذلك من الصفات النبيلة يحتاجها إنسان العصر الحديث، بعيدًا عن سوء النية وخُبث الطوية وإضمار الكراهية والتدبير في الخفاء، للإيقاع بالضحايا في شَرَك اللئام وبراثنهم الذين يصطنعون الكمال.

إن الشخص الذي يتقمص دورًا ليس له (كالممثلين)، أو يحترف صفة ذميمة مثل السرقة أو الغيبة والنميمة أو تخوين غيره وإلقاء التُهم جزافًا لا يعيش بهناء وهدوء، بل يستحوذ الاضطراب والشعور الدائم بالنقص والدونية.

وقد يلبس الشاب قناعًا ليس على قدره، كأن يدّعي الثراء أو العيش في مكانة اجتماعية مرموقة وإظهار الوالدين بمظهر أكبر من حجمهما وذلك لتحسين الصورة أمام الأصدقاء أو زملاء الدراسة.

إن الشباب يحتاجون إلى تعلم القناعة وممارستها، وحمد الله على القليل والكثير وعدم النظر إلى مَن فوقهم، فالناس درجات متفاوتة في الفقر والغِنى والصحة والمرض والقوة والضعف ومستويات الذكاء والفهم.

يتمثّل لبس القِناع المزيف بوضوح في فترة الخطوبة، فيظهر الجانبان أو أحدهما بالمظهر الملائكي المُنزّه عن النقص بالأفعال تارة وبالأقوال غير الحقيقية تارة أخرى، لذلك يسميها البعض –فترة الكذب– على الرغم أنها فترة مهمة لمعرفة كل طرف لشريك المستقبل لتيسير العقبات وتلافيها بعد الارتباط والزواج.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

زمن الأقنعة المزيفة

إننا نعيش مرة واحدة لا أكثر فينبغي أن تكون هذه الحياة أحسن وأجمل شيء في صفائها وشفافيتها والاستمتاع بها، وفق الحدود والتمسك بالأخلاق والمروءة والتحسين الدائم للنفس وترويضها لاكتساب جميل السجايا واجتناب القُبح والبلايا.

جميعنا يلاحظ النصْب على وسائل التواصل الاجتماعي، المجتمع الافتراضي غير الحقيقي، يكون ذلك مثلًا بعمل حساب مزيف واسم مُستعار قد يتمثّل في بنت، يضع صاحب الحساب اسمًا ويدخل للشباب بِحِيَل مختلفة، مثل إرسال صور أو مقاطع صوتية، إلخ، وقد يتمثل في سرقة حساب ثم الدخول على الخاص لأحد أصدقاء هذا الحساب ويطلب منه النقود والمساعدة الآنيّة يعني قبل أن يُكتَشف، وعندما يُفتَضح أمره يُغلق هذا الحساب المسروق ويبحث عن ضحية أخرى.

ينبغي الحذر والتفطن في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل فهو مجتمع وهمي غير حقيقي، حتى المشاعر فيه قد يتخللها النفاق والكذب ولبس قناع مختلف تمامًا عن الشخصية الطبيعية، ومن الممكن في وقت ما تُغلَق هذه الوسيلة بالكامل نتيجة خطأ ما أو نشوب حرب أو الخسارة الفادحة، فلا أمان بنسبة عالية فضلًا عن خطورة التعامل المالي وبخاصة المبالغ الكبيرة.

ومع توسع الحياة وهجوم عصر العولمة بسرعة فائقة ومذهلة جعل اختلاط الحَسَن بالقبيح والحابِل بالنابِل أمرًا في غاية السهولة، فقد يلبس إنسان ما قناع التقوى والتديّن والزهد فعندما يتكلم يُشعرك بأن شيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي يعظ، وهو لِصّ يُضمِر الشر والكراهية، فعلينا عدم التصديق بسهولة –مع الأخذ في الاعتبار إحسان الظن– فالحذر مطلوب.

عندما تسقط الأقنعة

ولا يفوتنا إلقاء الضوء على بعض الساسة والحكّام والأنظمة الذين تتلبّسهم هذه الصفات بغرض الوصول لمآربهم، فنابليون بونابرت عندما أراد أن يتودّد لكسب ود الشعب المصري لم يشفع له إظهار التدين ولبس قناع الورع، فأكل صفعة على وجهه من أحد أبناء الشعب في رسالة قوية عَلِم حينها مقداره وحجمه.

وبعض الأنظمة العالمية منها مثلًا الولايات المتحدة الأمريكية المشغولة بتدمير العالم بأيدي رؤسائها والمتشدّقة بحقوق الإنسان والحريات وهي أبعد ما تكون عن ذلك، فبنفس الطائرة التي تقتل بها الأبرياء ترمي لمن ظل على قيد الحياة منهم بقايا الطعام لتظهر بمظهر الحمل الوديع والحمامة البيضاء، وابنتها الداعِرة الفاجرة إسرائيل التي تخالف أفعالها أقوالها، فتحاول تحسين صورتها في المحافل الدولية لتظهر بمظهر الضحية، فتلبس قناع الدولة المتحضّرة المتقدّمة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، في حين تستمر مشاهد القتل وتدمير مظاهر الحياة على مدار الساعة ولا تعمل حسابًا لا لقوانين ولا إنسانية.

مقالات ذات صلة:

الحذر

سؤال وتساؤلات.. ونفوس حائرة

الكذب والدونية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر