نهاية المائة اللئيمة (1924-2024م)
لدينا في الثقافة الإسلامية “وعي” يتصل بالحركة الموصولة بالإيمان، يقدم فيه النص القرآني تشبيهًا بالغ الإبداع والروعة محفوفًا بالروح والفرح واليقين، وهو تشبيه “الحبة والسنابل السبع والمائة حبة”، ثم “والله يضاعف لمن يشاء”، وخذ المزيد: و”الله واسع عليم”، وصدق من قال إن “الإنسان يجاهد في سبيل بقائه بروحه وفؤاده، أكثر مما يجاهد ببدنه وجسده”، وهذا صحيح تمامًا!
“زهير بن أبي سلمى” قال وهو في الثمانين من عمره:
لسانُ الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم!
اللذان هما أضعف ما في الإنسان يا حكيم الشعراء، واللسان بالطبع ليس تلك القطعة الحمراء التي تتذوق المذاقات، إنما الجسر الذي تمشي عليه دواخلنا (العقل والروح والفؤاد) وهذه الأشياء كلها التي لا نراها، رغم أننا لا نَرى ولا نُرى إلا بها. وأخيرًا اكتشفوا أننا عندما نتكلم تخرج من أفواهنا ذبذبات صوتية لا حد لها، تظل سابحة في الوجود.
لعل ذلك يقترب من الإشارة إلى تلك الجملة الخطيرة “تؤخذ أقداركم من أفواهكم”، وهو القول الموصول بجملة الفاروق الجامعة المانعة: “إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه”.
رحمك الله يا صاحب هذا الدعاء العجيب الذي يكاد يكون مفصلًا تفصيلًا على قَدَر نراه قد بدأ بالفعل: “اللهم اكسر بنا شوكتهم، اللهم نكِّس بنا رايتهم، اللهم أذِل بنا قادتهم، اللهم حطم بنا هيبتهم، اللهم أزل بنا دولتهم، اللهم أنفذ بنا قدرك فيهم، بالزوال والتدمير والتتبير يا رب العالمين”، آمين.
فهل “طوفان الأقصى” هو الحبة التي –إن شاء الله– ستنبت مائة حبة؟
ليس هذا فقط، فالأهم الذي يفوق كل أهمية وأي أهمية أن “الله يضاعف لمن يشاء”.
الموضوع صراحة –ومن أول ساعة فيه– يكاد ينطق بأن مشيئة الله –التي لا تغيب أبدًا– توافقها توافقًا مذهلًا مشيئة هؤلاء الأبطال في “غزة”، عباد له سبحانه أخلصوا وصدقوا وطهروا، ما فعلوه كله أنهم ألقوا “الحبة”!
عميق السبات في “المائة سنة الماضية” بدأ في الإفاقة! ومن الذي جاء من أقصى مدينة الوعي المهجور، وصاح أن “أفيقوا”؟ ومن صدق مع الله، فصدق الله معه؟!
إنهم أصحاب “الإيمان الاستراتيجي” الذي يمحو كل شرك وكل شك محوًا طهورًا، إذا كانت دروس الطوفان أكثر من أن تُعد، فإن أكثرها وضوحًا وإشراقًا درس الإخلاص. أحد الأصدقاء رأى الحاج “يحيى” في منامه وهو يجلس على سطح عمارة شاهقة، فقال له: كيف فعلتم ذلك كله؟ فأجاب بكلمة واحدة: “الإخلاص”.
من أكثر من مائة سنة، وتحديدًا من بدء الحرب العالمية الأولى 1914م، وهناك صراع ميداني وفكري كبير قائم على هذه الأرض، بيننا وبين الغرب، يمثل الغرب فيه الطرف الأقوى عسكريًا وعلميًا.
صراع اكتسب موضوعه أولًا وثانيًا وثالثًا من التاريخ، تاريخ خروج هذا الغرب من مصر والشام (634م)، تاريخ الحروب الصليبية (1095م)، تاريخ الدولة العثمانية (1453م) بكل ما مثلته من قوة وعنفوان وجبروت تجاه شرق أوروبا، وتاريخ دولة الأندلس (1492م) في غرب أوروبا.
الصراع كان فيه بُعد هام ومؤثر يتصل بالفكر والأفكار: بُعد الإنسان والكون، وهو المجال الدائم الذي تُبتعث منه حركة التاريخ في كل وقت.
سيمتلك الشرق رؤية شاملة وصلبة وموضوعية وواضحة عن ذلك، مصدرها الوحي الإلهي، وسوف تزداد صلابة وقوة كل يوم بإزاء الإنسان، في تكوينه العقلي والروحي والذاتي والجماعي.
حين احتدم الصراع وبلغ أوج شراسته، وبدأ الغزو الغربي لعالم الإسلام، كان طبيعيًا أن تكون الحركات الإصلاحية في مقدمة المواجهة، وهي التي كانت موجودة أصلًا في قلب المجتمع.
في التنظيمات الصوفية والمجالس العلمية والأوقاف، وحتى تنظيمات الحرفيين، كما يخبرنا الراحل الكبير الأستاذ طارق البشري رحمه الله.
وهي التي كانت قد انتبهت بعد هذا الغزو أن هناك ابتعادًا كبيرًا عن منهج الوحي الذي قامت عليه الأمة وتاريخها وحضارتها.
سوف تبدأ طريقها الإصلاحي الطويل بفكرة الإنسان الصالح في البلد الصالح، وكان طبيعيًا أن يكون الوحي الإلهي نبع الينابيع.
رأيناها في الشام ومصر والسودان وشمال إفريقيا تخوض معاركها الكبرى على طول عالم الإسلام وعرضه، إصلاحًا للإنسان في الواقع الصعب، وجهادًا للمحتل الأجنبي.
ستكون هذه الحركات عبر مراحل التاريخ كله “الأب الشرعي” لحركات النهوض كلها، ولحركات المقاومة كلها بلا منازع.
ولسوف تدور دورة الزمان، وسنجد أنفسنا في منتصف القرن العشرين، هأ هأ هأ كذا، كما قال الشاعر العراقي أحمد مطر:
تم تقسيم عالم الإسلام والعروبة تقسيمًا لئيمًا خبيثًا في الخريطة المشهورة (س/بيكو).
تم غرس خنجر الدولة الصهيونية في صدر الأمة (مصر والشام).
تم إعداد جيش طويل من المثقفين العرب الذين يحتقرون ذاتهم احتقارًا مُريعًا، ويا ويلك من شخص يحتقر أباه.
تم ترتيب حكام جدد. “ثوار، ثوار لآخر مدى ثوار” كما قال صلاح جاهين الذي مات من الاكتئاب رحمه الله حزنًا وحسرة على ما قاله كله في تلك المرحلة، واتضح أنه كان كذبًا صريحًا، وفسره لنا توفيق الحكيم رحمه الله في كتابه الشهير “عودة الوعي”.
أهم حلقة في تلك السلسة التي ستطوق الشرق بالأغلال، كان ذلك الاستبعاد الخبيث المشبوه لسيدة الأفكار: “الفكرة الدينية” من أي أثر للـ”الفعل التاريخي”، ذلك الفعل الذي يتصل عضويًا وروحيًا بطبيعة هذا الصراع الطويل القديم بين أمتنا والغرب.
وسوف تبقى مشكلتهم الضخمة مع الإسلام في مكوناته الكبرى العميقة الممتدة في الوجود، بين الحياة الصالحة والموت الكريم والبعث الحق.
في 7 أكتوبر ستُلقى “الحبة” ذات المائة حبة، وبـ”إخلاص” بالغ الصفاء، ليس هذا فقط، بل ووصل المقطوع التاريخي كله منه وفيه بـسيدة الأفكار: “الفكرة الدينية”.
فوجدت الأمة نفسها أمام مشهد كانت تتوق إليه، وتنشده، ولا تعرف الطريق إليه! وإن عرفت، فلا تعرف الوسيلة!
وإن عرفت الوسيلة، فلا تعرف كيف تستمر وتتواصل فيما بينها وتتصل لتصل إلى أهدافها وغاياتها، التي هي لعظمتها وجلالها ترتبط فيها الحياة بالموت على أعظم وأجل وأصدق ما يكون الارتباط والرباط.
ها هي قد حضرت حضورًا قويًا شاملًا، هي الآن في قلب هذا الصراع التاريخي الكبير بين الشرق والغرب الذي استمرت ألاعيبه اللئيمة الخبيثة 100 سنة.
قد كان هذا الحضور ضروريًا للغاية، في تشكيل مستقبل المنطقة كلها، فكرًا وبشرًا وحجرًا وشجرًا.
إنها قوة الروح التي جاء بها طوفان الأقصى.
والحمد لله، وكما رأينا أمس: الروح فينا جوهر لا يضام.
مقالات ذات صلة:
سويا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا