جنات تجري من تحتها الأنهار
هذه الجنات هي وعد الله للمؤمنين من عباده الذين صبروا ورابطوا وفعلوا الخير، إنها بساتين قائمة شاخصة، لا حدّ لتنوعها، فأكلها دائم، وظلها دائم، وأنهارها (أي سبب وجودها) تجري من تحتها، ليست بعيدة عنها.
وهذه الديمومة –بقاء الجنان واستمرارها– جوهر الفكرة، أو قل جوهر الوعد، على المستويات: النفسية والمادية جميعًا.
لقد تكرر هذا الوعد كثيرًا في القرآن (34 مرة) والتكرار –كما يعلمنا البلاغيون– إلحاح على المعنى، والإلحاح تأكيد للمخاطَب (بفتح الطاء) وطمأنة له!
أسرار بلاغية
لا شك أن البلاغيين يدركون أسرار الكلام، وهذا من أسرار الكلام، فالعربي لا يعرف البساتين ولا الأنهار التي تجري من تحتها، ومن هنا كان الإلحاح الكريم على هذا المعنى.
العربي يعيش في بيئة فقيرة، لكن هذا لا يعني أنه عاجز عن تصور البساتين التي تجري من تحتها الأنهار.
العربي –شأن الناس كلهم– قد يكون عاجزًا عن إدراك معنى الخلد الذي تنطوي عليه هذه البساتين، إذ لا تجري عليها عوارض تغير الفصول ولا تقلباتها، إنها دائمة!
لكن ألا يمكن أن نجد وجهًا آخر للكلام؟
الزينة مطلب إنساني
بالأمس قضيت وقتًا بجوار النخيل، النخيل سامق شاهق كأنه المسلات والمآذن، وقد نبهنا القرآن إلى هذا المعنى، أو قل أراد ربنا أن ينبهنا إلى ما يحيط بنا من جمال، فقال: “وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَـٰتࣲ لَّهَا طَلۡعࣱ نَّضِیدࣱ”.
هذه صورة جميلة لا شك، وهي جميلة بذاتها، والتأمل فيها يملأ النفس بهجة، والجمال في حد ذاته قيمة، والقرآن لا ينكر أهمية الزينة. القرآن يتحدث عن الزينة بتقدير واضح: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ”.
بل إنه يقر بحاجة الناس إلى الزينة بوصفها مطلبًا إنسانيًا: فنحن –مثلًا– لا نحب الخيل لأنها تحملنا من مكان إلى مكان فقط، وكذلك لا نحب السيارات لأننا نتنقل بها فقط، نحن نحبها لأنها جميلة في ذاتها، وأنيقة في مبناها، وتأملها في حد ذاته تأمل في إبداع جميل!
وقل الأمر نفسه عن السماء التي زينها ربنا بالنجوم، “وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ”، إلخ.
أريد أن أقول: إن الزينة مطلب إنساني أصيل، وإن القرآن يقدر هذا المعنى!
لماذا قال تجري تحتها الأنهار
لكن الأنهار التي تجري من تحت الإنسان لها بعد نفسي عجيب، إنها تمنحك شعورًا هائلًا بالاستقرار والتملك، وهذه كانت حجة فرعون التي ألقى بها إلى قومه!
لقد ذكّرهم باستقرارهم في هذا الملك الرّاسخ الذي تجري من تحته الأنهار، وعليهم أن يتراجعوا عن تأييد موسى، وألا يغتروا بآياته ومعجزاته!
لقد تأسس ملك فرعون على الماء، وقامت دعوته على قدرته على التصرف فيه، وهذه قدرة هائلة، وعلى القوم الذين يفكرون في اتباع موسى أن يراجعوا أنفسهم!
لقد اعتبر القرآن نزول الماء وإنبات الأرض آية عظيمة، واستدل بتلك الآية على قدرة الله على إحياء الموتى!
الكلام عن الماء والإنبات يطول، ومن الماء كانت الحياة، والحياة لا حد لتنوعها، وشاء ربك أن يخلقنا من الماء، وأن يجعل الماء آية للمتشككين في قدرته على البعث.
هذا كله لا ريب فيه!
لكني أردت أن نتأمل معًا مفهوم الزينة والكون الجميل الذي يحيط بنا، ليس لأنه يعود علينا بالنفع المادي فقط، لكن لأنه جميل وأنيق ونضيد ومبهج، أو باختصار: لأنه زينة!
تقبل الله شهداءنا..
وربط على قلوب أمهاتنا..
وسدد خطو مقاومينا!
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا