مقالات

هل الإسكندرية مهددة بالغرق؟!

الاحتباس الحراري والتغير المناخي بيهددوا أهم مدينة مصرية!

لو إنت إسكندراني وبتقرأ دلوقتي المقال ده، فخليني أقولك مبدئيًا كدا إن أنا مش قصدي أرعبك، بس إسكندرية هيبقى معظمها تحت المية في المستقبل القريب لو مبدأناش ناخد إجراءات حقيقية على الأرض عشان نواجه بيها واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية المتوقع حدوثها في العصر الحديث!

طب كارثة إيه بقى دي؟ وإيه علاقتها بإسكندرية؟ وليه بنقول إنها متهددة بالغرق؟ وإيه علاقة كل دا بمؤتمر المناخ الأخير (COP27) اللي اتعمل من قريب في مصر هنا؟!

حضر كوباية الشاي الحلوة وهات النعناع في إيدك، وتعالى أحكيلك…

بص يا سيدي، التغير المناخي اللي علماء البيئة بقالهم سنين طويلة بيحذروا منه، بدأ ياخد منحنى صعب وكارثي بيهدد إنه هيسبب كارثة حقيقية مؤكدة الحدوث، هتهدد باختفاء جزء كبير من مساحة اليابس على كوكب الأرض.

هتسألني طبعًا إزاي؟ وإيه اللي حصل؟! خليني أحكيلك من البداية…

اضغط على الاعلان لو أعجبك

شوف يا عم، في نهر جليدي متجمد في القطب الجنوبي مساحته قد مساحة دولة بريطانيا العظمى كلها، واسمه “ثوايتس” (Thwaites)، النهر دا كان في باحثين من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بقالهم فترة بيدرسوا الجليد بتاعه ومكوناته، وفي وسط ما هما بيشتغلوا عليه اكتشفوا إن في قنوات مائية موجودة في الأعماق، تكونت تحت الجليد وبقالها فترة بتنقل المية الدافية اللي في المحيط لجوه النهر الجليدي، ودا اللي خلى معدل ذوبان الجليد في النهر دا يزيد جامد في السنين اللي فاتت، بشكل مكانش حد متوقعه!

الموضوع وصل لدرجة إن العالِم اللي كان بيدرس البيئة هناك قال إنه انذهل لما شاف منظر الجليد وهو متكسر وسايح، وعامل زي الفتافيت كده، بعد ما كان أرض واحدة، ودا طبعًا سببه المباشر الضرر اللي تسببت فيه الانبعاثات الحرارية اللي من صنع البشر.

الفكرة إن نفس النهر دا زمان كان بيسيح بمعدل متوسط نوعًا ما وممكن السيطرة عليه، مقداره تقريبًا 10 مليار طن من المية في السنة، والكلام دا في التسعينيات من القرن اللي فات، بس المرعب بقى إن حاليًا، وبناءً على دراسة عملها العلماء على نفس النهر، لقوا إن القنوات اللي بتتكون في أعماقه بسبب الانبعاثات الحرارية، ومسببة كل الكوارث دي، عمقها وصل لأكتر من 600 متر! ودا بدوره خلى الجليد حاليًا بيسيح بمعدل خزعبلي، لو قلت الرقم هيرعبك، بس هقوله عشان لازم يتقال.

80 مليار طن من المية في السنة! إنت متخيل الرقم؟!

اقرأ أيضاً: غموض الحدود المكانية بين الفلسفة والجغرافيا

لو مش متخيل، فخليني أقولك إن الكمية دي من المية أسوأ سيناريو كان بيتوقعه علماء البيئة أصلًا، ويمكن أسوأ من توقعاتهم كمان، عشان العدد دا هيخلي ارتفاع سطح البحر والمسطحات المائية في العالم كله دون استثناء، يزيد تقريبًا 65 سنتيمتر، يعني المية سطحها هيعلى أكتر من نص متر!

تاني عشان تبقى مستوعب معايا بس اللي بيتقال، اللي هيحصل دا مش هيبقى مجرد فيضان مؤقت وبعدين هيروح لحاله، لأ، دا أي مكان على سطح الأرض موجود قريب من سواحل أي بحر أو محيط، ارتفاعه أقل من 65 سنتيمتر، فالمية هتغطيه تمامًا!

دا مش مجرد احتمال ويا يحصل يا ميحصلش، لأ هو هيحصل بشكل مؤكد 100%، المسأله كلها مسألة وقت، والعلماء دلوقتي بيحاولوا يدرسوا الجليد دا بشكل أكبر وأوسع عشان يفهموا هو هيحصل خلال قد إيه، عشان يقدروا ياخدوا احتياطاتهم، وينبهوا حكومات العالم تحمي مدنها الساحلية، وهتلاقيني سايبلك في الديسكربشن تقرير اتعمل من فترة في صحيفة الإندبندنت البريطانية بيتكلم عن الكشف الخطير ده، وعارض كل حاجة بالتفصيل:

https://www.independent.co.uk/climate-change/news/climate-change-glacier-melting-antarctica-thwaites-doomsday-warm-water-b421022.html

المهم بقى إن في سنة 2015، كان معمول اتفاقية عالمية للمناخ اسمها (COP21) في باريس، وكانت أهم النتايج اللي وصلتلها إن الدول لازم تتحد بشكل عاجل وإلزامي على كل أطراف الاتفاقية عشان توقف الانبعاثات الحرارية وتقللها، وتخليها محدودة بدرجة حرارة 2 درجة مئوية بس، وفعلًا من ساعتها ولحد دلوقتي ابتدت جهود عالمية في الاتجاه دا.

بس في تقرير تاني اتنشر في صحيفة الجارديان، بيقول إن الذوبان في جليد القطب الجنوبي عمومًا، مش النهر دا بس، هيسبب زيادة في ارتفاع سطح البحر تقدر بــ2 متر ونص كاملين، ودا هيحصل حتى لو أهداف مؤتمر باريس تحققت! ودا مش مجرد كلام، بل مبني على بحث علمي منشور في أكبر مجلة علمية بحثية في العالم، اللي هي “نيتشر” (Nature)، هتلاقيه بردو في الديسكربشن تحت:

https://www.nature.com/articles/s41586-020-2727-5

طب إيه علاقة كل دا بموضوعنا؟ وإيه علاقته بإسكندرية أصلًا؟!

العلاقة يا سيدي إن في خطر على مدينة الإسكندرية والمدن الساحلية عمومًا هنا في مصر، والخطر دا بتحذر منه كل المنظمات المعنية بمراقبة مستوى ارتفاع سطح البحر، وكل خبراء البيئة والمناخ تقريبًا، بس المشكلة إن الموضوع دا مش واخد حقه في الكلام بين المصريين سواء على مستوى رسمي أو غير رسمي، ومعظم الناس فاكرين إن احتمالات حدوث ارتفاع في مستوى سطح البحر احتمالات ضعيفة، أو إنها ممكن تحصل في المستقبل البعيد، ومحدش تقريبًا عنده أدنى فكرة إن اللي منتظر السواحل بتاعتنا وسواحل مدن تانية كتير، أقرب مما نتخيل!

شوف يا صديقي، في تقرير اتعمل في شبكة الـ(BBC) بيتكلم عن مدينة الإسكندرية بتاعتنا مخصوص، واتكلمت عنه مواقع وصحف إخبارية عربية كتير، التقرير دا بيقولك إن بناءً على دراسات اللجنة الدولية للتغيرات المناخية أو الــ(IPCC)، والمؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، فمستوى سطح البحر هيزيد تقريبًا مترين ونص في المستقبل القريب، ودا بيهدد إنه يغرق مساحة من كوكب الأرض تقدر بــ1.79 مليون كيلومتر مربع.

وعشان بس أحطك في الموقف، فالمساحة دي تقريبًا أكبر من مساحة دولة ليبيا كلها!

لو بصيت بقى على إسكندرية، هتلاقي قدام عيونك واحدة من أجمل مدن العالم تقريبًا، عروس البحر المتوسط أو مدينة الرب زي ما كانوا بيقولوا عليها زمان، كنوع من الغزل في المكان اللي كان مهد التقاء الحضارة اليونانية القديمة بالحضارات المصرية والشرقية، وكان يعتبر أهم منطقة التقاء للثقافات في العالم القديم تقريبًا.

اقرأ أيضا: التغير المناخي قادم

المدينة الأسطورية دي –زي ما إنت عارف– للأسف البحر المتوسط محاوطها من 3 جهات، وجنوبها كمان فيه بحيرة، وعليه الإسكندرية مصنفة من ضمن أكثر المدن عرضة للغرق بسبب التغيرات المناخية في العالم، وفي دراسات وأبحاث وتحذيرات بتتبعت للحكومة المصرية كل يوم بسبب الموضوع دا، وبتتنشر في أكبر صحف العالم، آخرهم كان تحذير رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” اللي تكلم عن الموضوع دا في مؤتمر المناخ (COP26) في مدينة جلاسجو في اسكتلندا.

بس المشكلة إن محدش مهتم أوي بالموضوع، والمسؤولين عن الموضوع دا كلهم تقريبًا معتمدين على شوية المصدات الأسمنتية والسور اللي بناه محمد علي سنة 1830 عشان يحمي المدينة، وبيقولوا إن الحاجات دي هتحمينا، بس للأسف بناءً على تقارير الخبراء، فهما غلطانين جدًا، عشان ارتفاع مستوى البحر دا هيكون أكبر وأخطر من أي حد متوقعه.

الموضوع للأسف لو اتساب كدا، فدا هيهدد بإن مساحة كبيرة جدًا من دلتا النيل تغمرها المية بشكل كبير وخطير في المستقبل، وتسبب فيها أضرار وخسائر مادية كبيرة وتخلي أماكن كتير تبقى غير صالحة للاستعمال، ومن ضمن الأماكن دي مدينة الإسكندرية اللي تعداد سكانها 5 ونص مليون نسمة، وبتشكل تقريبًا 40% من إجمالي الناتج الصناعي المصري.

في طبعًا مؤسسات وحركات بتحاول تنشر الوعي بالموضوع دا، زي حركة أنقذوا الإسكندرية أو (Save Alexandria) اللي شغالة حاليًا على زيادة التوعية بمخاطر التغير المناخي على المدينة، والسنة اللي فاتت في مؤتمر المناخ (COP27) اللي اتعمل لأول مرة هنا في مصر في شرم الشيخ، اتوافق على صندوق تمويل هتكون وظيفته الأساسية إنه يساعد كل الناس المتضررين من مشاكل المناخ دي في المستقبل، بس المسؤولية الحقيقة عن تأمين وتجهيز المدينة طبعًا واقعة على المسؤولين عن الملف دا في وزارة البيئة.

في النهاية، التغير المناخي والاحتباس الحراري دا كله شيء من صنع الإنسان، إحنا الكائن الوحيد اللي قدر يهدد الطبيعة ويضرها ويغير منها بالشكل ده، في تاريخ الكوكب كله، ومفيش كائن غيرنا قدر يوصل لمرحلة إنه يهدد البيئة اللي بيعيش فيها، ويؤذي نفسه بالمنظر ده، بس دي ضريبة التطور والتقدم التكنولوجي اللي كان لازم هندفعها عاجلًا أم آجلًا للأسف.

الفكرة كلها بس إننا نحاول نحافظ على مدننا الساحلية ونأمنها ضد تغيرات المناخ وارتفاع سطح البحر قبل ما الفاس تقع في الراس ونقول يا ريت اللي جرى ما كان، وطبعًا مش إسكندرية بس هي المدينة الوحيدة المهددة، بل في مدن كتير مهددة بنفس الخطر، ومنها مدن في دول عالم أول.

فنتمنى نشوف إجراءات حقيقية بتتعمل في الموضوع دا مستقبلًا.

مصادر:

https://www.space.com/antarctica-doomsday-glacier-melts-in-treacherous-ways

https://www.africanews.com/2022/11/03/egypt-alexandria-expected-to-sink-by-2100/

https://reliefweb.int/report/egypt/climate-and-mobility-case-study-january-2023-alexandria-egypt-al-max

https://english.alarabiya.net/views/news/middle-east/2021/09/01/Alexandria-will-sink-beneath-the-water-if-Egyptians-don-t-help-fight-climate-change

https://www.france24.com/en/live-news/20221102-sinking-alexandria-faces-up-to-coming-catastrophe

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. محمود علام

كاتب روائي وباحث، وسيناريست