مقالات

كائنات مُفرطة (Hyperobjects)! .. الجزء الثاني

على نحو أكثر تفصيلًا يُقدم مورتون خمس خصائص مترابطة ومتداخلة للكائنات المُفرطة، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

اللزوجة (Viscosity)

تلتصق الكائنات المُفرطة بالمرء من الداخل والخارج، إشعاعٌ في الجسد، أو زئبقٌ في الدم، أو ارتباطٌ بصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى هذا النحو لا يغدو الالتصاق فقط ماديًا، بالمعنى الذي قال به “جان بول سارتر” (Jean-Paul Sartre 1905 – 1980) في رواية “الغثيان” (La nausée 1938)، حين تحدث عن الإحساس الذي تختبره يدٌ مغمورة في العسل، إذ يُمسك السائل اللزج بالذات فيقيدها ويحد من حركتها، وإنما بالمعنى الذي تُمثله الرؤية في مرآة السيارة، إذ تبدو الأشياء أبعد مما هي عليه في الواقع. وهكذا، فالكائنات المُفرطة في الترابط الأنطولوجي الذي نُشارك فيه غير معروفة بالكامل، رغم كونها مُنغمسة في عالمنا، لأنها ببساطة تُغلفنا، وتُقدم لنا نفسها كأجزاء من عالمنا المعروف! فكِّر مثلًا في الكيفية التي يعتقد بها بعض البشر الآن أنه من الأفضل استعمار المريخ لتجنب الاحتباس الحراري (وقضايا أخرى)، تكمن المشكلة في أنه على كوكب المريخ يجب أن تصنع محيطًا حيويًا من الصفر، وبناء عليه تظل لديك المشكلة ذاتها الموجودة هنا على الأرض، لذا، لا يتعلق الأمر بالامتداد الزمكاني (المسافة في الزمان والمكان)، فأنت في الحقيقة لا تزال على الأرض ملتصقًا بها!

الانصهار (Molten)

الكائنات المفرطة منصهرة، بمعنى كونها ممتدة وضخمة للغاية لدرجة أنها تدحض فكرة أن الزمكان ثابت وملموس ومتسق، وتدحض بالمثل فكرة أن الجسم الجامد ممتد في المكان ذاته. لاحظ مثلًا أن فترة عمر النصف (الزمن اللازم لمادة نشيطة إشعاعيًا لتصبح نصف كميتها الأصلية) للبلوتونيوم تبلغ 24.100 سنة، ولا يمكن استبعاد خطورته على البيئة إلا بمرور 20 فترة لعمر النصف، أي 482 ألف سنة.

اللا محلية (Non-locality)

تتوزع الكائنات المُفرطة بشكل هائل وكثيف في المكان والزمان إلى الحد الذي تنتفي معه القدرة على تصور الكائن المُفرط في مجمله، أو إلى المدى الذي يغدو معه الكائن المُفرط أكثر جوهرية من مظاهره المحلية فقط، تمامًا كما نصف الاحتباس الحراري بأنه أكثر جوهرية من الأعاصير أو الفيضانات أو تقلبات المُناخ. ولتوضيح هذه الخاصية يلجأ مورتون إلى ميكانيكا الكوانتم، فإذا كنا وفقًا للفيزياء التقليدية نستطيع التقاط ثمرة برتقال والتفاعل معها، فإن الأمر مختلف تمامًا في مستوى فيزياء الكوانتم، لأن الأشياء ليست في الواقع كما تبدو عليه، بل يمكن للجسيم أن يتواجد في وقت واحد في أكثر من مكان واحد، ويمكن أيضًا لجسيمين أن يتشابكا كماتيًا، بحيث إن أي قياس لأحدهما سيؤثر لحظيًا على الجسيم الآخر حتى ولو كانت المسافة الفاصلة بينهما كبيرة جدًا. هذا بالضبط ما تفعله الكائنات المُفرطة، هي ليست هنا (غير محلية أو متموضعة)، لكنها معنا، نختلقها بممارساتنا، لتبين تأثيراتها المحلية كأنها بضاعتنا رُدت إلينا! الزمكان مثلًا كائنٌ مفرط: إنه الطريقة التي تشوه بها المادة الفضاء من الداخل، وتحول الكون إلى شيء مثل سيل مليء بزوابع طاقة لا حصر لها، الزمكان بهذا الوصف لا يُقدم نفسه حاوية فارغة توضع فيها الأشياء، لكن حقل قوة تُولده الكائنات نفسها، ونظرًا لأن الكائنات المحلية لا تطفو في مساحة فارغة لا نهائية، فإن كل كائن يستمر في الزمن الذي ينتمي إليه!

الطورية (Phasing)

عندما يمر الوقت المنبعث من كائن مفرط واحد مع الوقت المنبعث من كائن مفرط آخر، نحصل على نمط تداخل، ويعرف هذا النمط بالطورية، واتساع الكائنات المفرطة يجعل الطور ملفتًا للغاية، إذ تتميز الكائنات المفرطة بجودة الدخول والخروج التدريجي من العالم الأرضي، وإشراك مساحات طور عالية الأبعاد تجعل من المستحيل رؤيتها ككل بالمقياس البشري. وهكذا، يبدو أن الكائنات المفرطة تأتي وتذهب في فضاء ثلاثي الأبعاد، لكنها ستظهر مختلفة إذا كان بإمكان المراقب الحصول على رؤية أعلى وأعمق متعددة الأبعاد. بعبارة أخرى، ينبض الكائن المفرط متعدد الأبعاد داخل وخارج حدود الإدراك البشري، وثمة إيقاع للكائنات المُفرطة لا يُتيح لنا سوى إدراك أجزاء منها في وقت واحد كأجزاء منفصلة. على سبيل المثال، نحن نُدرك الأعاصير، الحرائق الواسعة، ذوبان الأنهار الجليدية، اختفاء البحيرات، انقراض الأنواع، إلخ، كأجزاء لكائن مُفرط: الاحتباس الحراري، عندما يتقاطع مع عالمنا، وهذه القطع لا تبدو بالضرورة مثل الكائن المفرط الهائل على الإطلاق.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الموضوعية البينية (Interobjectivity)

تُتيح لنا الأبعاد العابرة للكائنات المفرطة فهم العمق السحيق لها والغموض الذي يغشاها. ووفقًا لـمورتون، ليست الذاتية البينية (Intersubjectivity) (توافق الذوات حول الموضوعات النوعية) سوى منطقة صغيرة مما يُسميه الموضوعية البينية (Interobjectivity) (ارتباط الكائنات كافة ببعضها بطريقة متمايزة داخل نظام مفتوح دون مركز أو حافة). وبعبارة أخرى، نستطيع القول أن الذاتية البينية إنسانية، والموضوعية البينية ليست إنسانية، وبينما تستبعد الذاتية البينية اللا إنسانية، فإن الموضوعية البينية تشملها! وعلى هذا النحو تغدو جميع الكائنات من أي مقياس مترابطة في نظام موضوعي بيني يسميه مورتون “الشبكة” (Mesh)، فعندما يولد أي كائن ينخرط مباشرةً في الشبكة التي تتكون من روابط وفراغات، وهذه الشبكة تطفو فوق الأشياء وأمامها، إذ تسمح الروابط بحدوث السببية، أما الفراغات بين الأشياء وداخلها فتستحوذ عليها كائنات أخرى. وفي هذه الشبكة لا يُختبَر أي شيء مباشرة على الإطلاق، لكن ثمة توسط دائمًا من قبل كائنات أخرى، إذ يوجد كيانٌ واحد على الأقل يُسحَب.

على سبيل المثال، نحن لا نسمع الريح في حد ذاتها، بل نسمع الريح فقط وهي تمر عبر باب أو غابة، وعندما تُكتشف بصمة ديناصور، فإننا لا نرى الديناصور، بل نرى فقط تلك البصمة على صخرة، وفي هاتين الحالتين تنسحب الريح وينسحب الحيوان. وتكشف هذه الحقيقة أن إجمالي جميع العينات التي ينقش بها كائن ما نفسه على أشياء أخرى هو التاريخ، كأحداث، وكتسجيلات، وتشكل هذه النقوش كتبًا مدرسية حية متشابكة مع ما يسميه مورتون الخط الموضوعي البيني (Interobjective Calligraphy). ويؤكد مورتون أن البشر في هذه الموضوعية البينية لا يرتقون إلى مرتبة ذاتية خاصة، بل هم مجموعة فرعية من الأشياء، وحتى الآلات، إلى الحد الذي أصبحت فيه ذكية بما يكفي لقيادة البشر، أصبحت كائنات مفرطة!

قرابة سنة 2010، انخرط مورتون في حركة فلسفية أنطولوجية تُسمى حركة الفلسفة كائنية التوجه أو شيئية المنحى (Object-Oriented Philosophy Movement)، ووفقًا لهذه الحركة فإن كل ما هو موجود في الكون بمنزلة أشياء وعلاقات، بمعنى أن الأشياء مرتبطة ببعضها في شبكات من العلاقات المتغيرة، مع البشر أو من دونهم. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأشياء في علاقاتها ببعضها، فالأشياء “منفصلة” (Discrete)، و”مستقرة” (Stable)، و”غير قابلة للمعرفة”: “أشياء في حد ذاتها” (Things-in-Themselves) بالمعنى الكانطي، ذات حدود ونقاط فاصلة محددة، فكل شيء مُحكم الغلق على ذاته، ينطوي على جوهر سري أو منعزل!

في هذا الصدد، يشير الفيلسوف الأمريكي “جراهام هارمان” (Graham Harman من مواليد سنة 1968)، وهو الشخصية المركزية في هذه الحركة، إلى أن الفكرة الأساسية للأنطولوجيا كائنية التوجه أن الكون مليء بأشياء متنوعة يتفاعل بعضها مع بعض: كرة البلياردو الحمراء تضرب كرة البلياردو الخضراء، وتتلألأ رقاقات الثلج في الضوء الذي يقضي عليها بقسوة، وتصدأ الغواصات المتضررة في قاع المحيط، وينبثق الدقيق من القمح بطحنه! ولسنا محاصرين داخل اللغة أو العقل أو الثقافة أو أي شيء آخر، فالواقع فعلي، وهو موجود للتجربة، لكنه أيضًا يفلت من المعرفة الكاملة. يجب على المرء أن يواجه الواقع بإدراك كامل مؤداه أنه سيفتقد دائمًا شيئًا ما في المواجهة، فالأشياء دائمًا ما تكشف عن شيء ما، ودائمًا ما تخفي شيئًا! وفي إطار هذه الحركة، يُركز مورتون على البُعد السببي للعلاقات بين الكائنات المختلفة، ويذهب إلى أن السببية –في مقابل الرؤى الفلسفية التقليدية– بمثابة ظاهرة فنية أو جمالية، إذ تعجز التجربة الحسية الآلية عن النفاذ إلى تعقيد الواقع وجدلية علاقاته، في حين تُشكل السببية جوهر ما يُسميه مورتون السحر الواقعي (Realist Magic).

على سبيل المثال، عندما تصطدم كرتان ببعضهما في لُعبة ما، فإن ثمة قوى تؤدي دورًا لا يُمكن اختزاله في الحركة الزمكانية لهما، بل يحتاج المرء إلى نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي يقضي فيه البشر بعض وقتهم في صنع أشياء مثل ألعاب الكرة، وكذلك إلى مُصممين لهذه الألعاب، وقواعد مُتفق عليها، ومفاهيم مثل المادة والجاذبية ومبدأ الحركة الدائمة، وأفكار مجردة مستقاة من الرياضيات، إلخ. كل هذا يجعل السببية الميكانيكية مجرد لحظة أيديولوجية للتبسيط، تأتي للسيطرة على تفكيرنا في السببية بطريقة تحجب شبكة التفاعلات الأكثر تعقيدًا.

أخيرًا، على الرغم من أن مفهوم الكائنات المفرطة قد تبناه على نطاق واسع كثرة من المثقفين والفنانين والنقاد الأدبيين وبعض الفلاسفة، إلى جانب كتّاب الخيال العلمي والمهندسين المعماريين وطلاب الجامعات، فإنه لا يخلو من جوانب للنقد.

مثلًا، تشير الناقدة البيئية الأمريكية “أورسولا هايس” (Ursula Heise)، إلى أنه وفقًا لتعريف مورتون، يمكن أن نُعد كل شيء كائنًا مفرطًا، الأمر الذي يجعل المفهوم بلا معنى إلى حد ما، هذا بالإضافة إلى استحالة تحديد مفهوم الكائن المُفرط بوضوح. كذلك شدَّد عددٌ من النقاد على تشاؤمية مورتون بوصفه للكائنات المُفرطة بأنها شيطانية ووحشية ومُهددة وصادمة ومرعبة، إلخ، حتى إنه وضع لكتابه عنوانًا فرعيًا يُشير إلى “نهاية العالم”. ومع ذلك يذهب مورتون إلى أن هدفه أولًا وأخيرًا إيقاظ الناس من غفوتهم البيئية، ولو بأسلوب قاس يُفزعهم، وتقديم جرعة من القلق للناس على أمل تلقيحهم ضد الغرابة المتزايدة والرعب من كونهم على قيد الحياة في خضم هذه الصدمة الأرضية غير المسبوقة، ولذا يُصرح قائلًا: “أردت أن يشعر الناس ببعض القلق. يحتاج بعض الناس على هذا الكوكب إلى الانتقال إلى فضاء الرعب من أجل الوصول إلى طريقة جديدة في التفكير والرؤية واتخاذ الإجراءات”.

قد يكون القلق بشأن أشياء مثل كارثة المناخ، أو كوفيد، أو مساوئ الرأسمالية المتوحشة أمرًا لا مفر منه، لكن بدلًا من الانغماس في الخوف أو الذنب أو اليأس أو الإحصائيات المحطمة للنفوس، يأمل مورتون أن نفكر في طرق جديدة للتعايش، مع الآخرين، ومع جميع الكائنات الأخرى على هذا الكوكب، “إذا استطعنا أن نجد في أنفسنا الرغبة والقدرة على أن نتخلى عن نوازع السيطرة واستغلال كل شيء من حولنا، فقد نجد طريقة للاعتناء ببعضنا، والاستمتاع ببعضنا، وبالعالم من حولنا، وبالحياة ذاتها. الأشخاص المصابون بصدمات نفسية في الواقع مفيدون لهذه اللحظة، لأنهم يفهمون ما يعنيه العيش في وضع البقاء على قيد الحياة، يمكننا مساعدة الناس بتقديم نماذج لكيفية الابتعاد أن تكون على قيد الحياة، يعني أن تكون عرضة للفيروسات وما إلى ذلك، الأرض بحاجة إلى بعض الحنان. أعتقد أن ثمة نوعًا من الاندماج بين الحنان والحزن والفرح والشوق والرعب والضحك والكآبة والغرابة، هذا الاندماج هو الشعور بالوعي البيئي!”.

مقالات ذات صلة:

الجزء الأول من المقال

الهندسة الجيولوجية الشمسية

التربية البيئية كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية