مقالات

جسور التواصل بين الفلسفة والكيمياء .. الجزء الثاني

على أية حال، فإن النتيجة القائلة بأن مباحث الكيمياء ليست قابلة للتحليل الفلسفي، هي في حد ذاتها قضية فلسفية، تفتح بابًا واسعًا للنقاش يمكن عن طريقه دحض الحجج السابقة برمتها، فلئن كانت الواقعية التي يهيم بها الكيميائيون في نظر بعض الباحثين محض “واقعية ساذجة”، تضع القائلين بها في مصاف الدهماء الذين يجعلون من مدركاتهم الحسية سبيلًا وحيدًا لمعرفة العالم –دون فطانة لخداع الحواس أو لمشكلات الإدراك الحسي– إلا أنها في الحقيقة تُعبّر عن موقف فلسفي، له حججه ودوافعه التي تحتمل الجدل. كذلك الحال بالنسبة إلى النزعة البراجماتية (Pragmatism) التي يتدثر بها الكيميائيون، إذ هي في الأصل نزعة فلسفية سعى بها مؤسسها تشارلز بيرس (Charles Peirce 1839 – 1914) إلى اختصار حقيقة الأفكار فيما تؤدي إليه من آثارٍ أو نتائج عملية، وهي بدورها لا تعلو على النقد والتحليل الفلسفي.

أما مسألة الردّ (Reduction) –ردّ الكيمياء إلى الفيزياء– فرغم قدمها، ورغم الظن السائد بأنها قد حُسمت تمامًا، فإنها ما زالت مثار نقاش واختلاف بين فلاسفة العلم المعاصرين، سواء من حيث البحث في إمكانية بناء نسق أكسيوماتيكي (Axiomatic system) لنظريات الكيمياء وقوانينها يجعل منها علمًا مستقلًا على غرار العلوم الأخرى المضبوطة، أو من حيث تعداد العناصر الكمّاتية التي تعتمد عليها الكيمياء في صورتها المعاصرة وتقدير مدى استفادتها منها. هذا بالإضافة إلى فحص مدى إمكانية تفسير المفاهيم الكيميائية برمتها في إطار النموذج الفيزيائي.

كذلك لا نستطيع المصادرة ببساطة على أن الكيمياء لا تملك “أفكارًا كبيرة”، أو أنها تفتقر إلى “أزمات” التحول والانطلاق في تاريخها، فمثل هذه المصادرة تتناقض ومقولة “ردّ الكيمياء إلى الفيزياء”، لأن هذه السمات إن كانت تُنسب إلى الفيزياء فتجعل منها علمًا جديرًا بالاهتمام، فإن نفيها عن الكيمياء يعني تجريدها مما قد تتسم به كونها جزءًا يسهم في بناء الكل الفيزيائي والاستدلال على سماته!

على أن عطاء الفلسفة للكيمياء لا يقف عند حدود تفنيد الحجج السابقة واثبات إمكانية وجود فلسفة مستقلة للكيمياء، إنما يتعدى ذلك ليشمل قضايا ومباحث لم يلتفت إليها الكيميائيون طويلًا. ومن هذه المباحث (على سبيل المثال لا الحصر):

  • تحليل اللغة الكيميائية بمستوياتها المختلفة (الرمزية وغير الرمزية)، وإعادة التركيب المنهجي لهذه اللغة، فضلًا عن تعيين قواعدها وعوامل تطورها في ضوء الكشوف العلمية الحديثة والمعاصرة.
  • وصف البنية المنطقية للكيمياء الحديثة كما تبدو لعَالِم الكيمياء المتمرس، وتحديد نقاط الاتصال بينها وبين التفسيرات المعاصرة للمنهج العلمي كونه بناء فرضيًا استنباطيًا.
  • إعادة النظر في عملية التأريخ الكيميائي بما يسمح بفهم الجوانب الفردية والاجتماعية والسياسية، وأيضًا النظرية، التي أدت إلى نشأة هذا العلم وحدّدت أبعاد تطوره في عالمنا المعاصر.
  • دراسة النتائج والآثار البيئية والاجتماعية الناجمة عن التطور الهائل للكيمياء في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وتحديد المسؤولية الأخلاقية لعلماء الكيمياء داخل وخارج مختبراتهم.
  • ترسيم حدود العلاقة بين علم الكيمياء والفن عن طريق دراسة الجوانب الجمالية للرموز والمعادلات والنماذج الجزيئية، وأثر ذلك في تطور العلم الكيميائي.

لا شك أن دراسة هذه المباحث من الفلاسفة تعُد صفقة رابحة للكيمياء، وهو ما ناقشناه تفصيلًا في كتابنا “نحو فلسفة للكيمياء” (2004)، ذلك أن ما تنطوي عليه من قضايا ومشكلات –رغم أهميتها الميثودولوجية والإبستمولوجية، بل ورغم خطورتها الاجتماعية– نادرًا ما تشغل الكيميائي أو تقع في بؤرة اهتمامه، وذلك لأسباب تاريخية، أو ثقافية، أو حتى تخصصية. لكن تجاهلها يحد في الوقت ذاته من قدرة الكيميائي المتخصص على تكوين رؤية واضحة لعلمه وعالمه: مقوماته ومردوداته وأبعاده المعرفية، فمثله في ذلك كمثل المُنقِبّ في الأرض بحثًا عن معدنٍ ثمين، لكنه يتّبع سبيلًا واحدًا محدودًا لاستخراجه، مغمضًا عينيه عن وجود سبلٍ أخرى قد تثري إنتاجه وتوسع مداركه، وما كان لهذه السبل أن تتضح إلا بالفلسفة، وما كان للفلسفة أن تنجح في ذلك إلا بجهد كيميائي مقابل، يدعم النظرة الفلسفية بمخزونه التجريبي المتراكم، ويعيد قراءة برامجه في ضوء هذه النظرة عن تروٍ واقتناع. فهل تكتمل إذًا قصيدة التواصل؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أخيرًا، ثمة شواهد فلسفية يفرزها هذا المقال، أولها أننا قد نختلف إزاء نتائج العلم وتطبيقاته، لكننا نتفق يقينًا إزاء وظيفته العامة، وأعني بها مهمته المزدوجة في استكشاف الحقائق وتوظيفها عمليًا من جهة، وتوضيح مكانة الإنسان في الطبيعة بإدراك واضح لعلاقاتها وآليات عملها من جهة أخرى. على أن العلم لا يؤدي –بل ولا يستطيع أن يؤدي– هذه المهمة وحده، فرغم نجاحه المتصاعد في الشق الأول منها، فإنه في الشق الثاني يبدو في حاجة ماسة إلى الفلسفة، سواء من حيث وضع الأسس البنائية للقوانين والنظريات ورسم أطُر العمل في الحقل العلمي، أو من حيث التبرير المنطقي لتلك البناءات وتعقيلها نظريًا. بل وحتى الشق الأول من مهمة العلم قد لا يستقيم دون بواعث ومنطلقات فلسفية. وقد رأينا كيف انطلقت الكيمياء عبر تاريخها –وكذلك الفيزياء– استرشادًا بفكرة فلسفية إغريقية قديمة، ألا وهي فكرة احتواء المادة على جواهر أو وحدات صغيرة لا تنقسم، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد العلمي في القوة البالغة التوجيه للتراكيب الرياضية، وهو اعتقاد فيثاغوري – أفلاطوني المصدر. والنتيجة اللازمة عن ذلك استحالة فصل العلم عن الفلسفة في أية مرحلة من مراحل تطوره. حقًا أننا لسنا بإزاء نتيجة جديدة، لكن التذكير بها يغدو ضروريًا حين نشرع في التناول الفلسفي لعلمٍ تجريبي كالكيمياء.

أما الشاهد الثاني فيتعلق بعملية التأريخ العلمي ومغزاها، أو بعبارة أخرى، بسُبل فهم المراحل التطورية لعلم ما. وأبسط هذه السبل المقولة الشائعة “كل التاريخ تاريخ محلي”، بمعنى أننا يجب أن نميز في تأريخنا العلمي بين “الفكر” وبين “التعرف على هذا الفكر”، فالتعرف على الفكر يتضمن دائمًا –بين أشياء أخرى– سياقًا إدراكيًا مقيدًا في ذاته بمحليته، أي بكونه جزءًا من وضع إشكالي يعتمد على حالة المعرفة الموجودة في زمان ومكان بعينهما، ومن ثم فإذا كنا نؤرخ لعلم ما –وليكن الكيمياء القديمة مثلًا– فعلينا أن نضع في اعتبارنا أننا ننظر إلى الماضي من نقطة تفوقنا، من محليتنا الخاصة التي تُوجّه رؤانا وأحكامنا، الأمر الذي ينجم عنه في الغالب سوء فهم وتقدير لأفكار الأسلاف وأهدافهم. وهكذا “فإذا كانت السيمياء تبدو لنا اليوم نظرية صبيانية، خليطًا من الخرافات والمقارنات الكاذبة، فإن كيمياءنا ستبدو بدورها صبيانية بعد خمسمائة عام من الآن”! إنها ديناميكية النظريات العلمية وصيرورتها اللا منتهية ما دام إنسانٌ يبحث ويفكر ويجادل الطبيعة.

شاهِدُنا الثالث والأخير يتعلق بطبيعة الكشف العلمي ودور الخيال والحدس والعوامل الفردية في إنجازه. لا شك أن الكشف العلمي يعتمد بشكلٍ أو بآخر على الملاحظة الحسية من جهة، وعلى الاستنباط العقلي المنطقي من جهة أخرى. لكنه يعتمد كذلك –ربما بدرجة أكبر– على الرؤية الكلية المباشرة ونمط الحياة الذي يتخذه العالِم لنفسه، فما يحدث أولًا أن العالِم في إحدى مراحل بحثه يختبر رؤية كلية مفاجئة، وحينئذ –إن كان محظوظًا– سيجد أن هذه الرؤية المباشرة لها نتيجة منطقية توضح مشكلة علمية غامضة، أو تُفسّر نتائج تجريبية محيرة. ومغزى عبارة “لو كان محظوظًا” أن أية فكرة علمية ليست بالضرورة جيدة، فالرؤى المباشرة يمكن أن تحدث، ويمكن أيضًا أن تكون خادعة. ومثال ذلك قصة اكتشاف الأكسجين، فلقد توصل “بريستلي” إلى هذا الكشف ضمن سلسلة بحوث عادية لدراسة الغازات المنبعثة بفعل عدد كبير من المواد الصلبة، لكن خياله أبى أن يسلّم بأن ما كشفت عنه تجاربه غاز جديد، له دوره المميز في قيام الحياة واستمرارها، فافترض أنه محض هواء عادي يفتقر إلى الفلوجستون! أما “لافوازييه” فقد بدأ عمله الذي قاده إلى اكتشاف الأكسجين انطلاقًا من إشارة أو إلماحة خفية أوحت له بها تجارب “بريستلي”، فخلص في النهاية إلى أن الغاز الجديد غاز من نوع متميز، وأنه أحد العنصرين الأساسيين في الغلاف الغازي، الأمر الذي يفسر كثيرًا من العمليات الكيميائية التي لم تجد تفسيرًا واضحًا في ظل فرض الفلوجستون.

مثالٌ آخر يتعلق بصياغة “دالتون” للنظرية الـذرية الحديثة، فرغم أنه كان مصابًا بعمى الألوان، حتى أن العيب الوراثي للخلط بين اللونين الأحمر والأخضر –والذي عرفه في نفسه– قد سُمي طويلًا باسم “الدالتونية”، فإنه كان رجلًا ذا عادات ثابتة، فلقد ظل يخرج يوميًا سائرًا من بيته إلى إحدى مدارس “الكويكر” التي كان يعمل ناظرًا لها في مانشستر. وكان في أثناء سيره يقيس معدل سقوط الأمطار، ودرجة الحرارة، وهو عمل ممل للغاية. ومن كل هذا الكمّ من المعلومات لم يخرج إلا بسؤال واحد دقيق عن الأوزان التي تدخل في تركيب هذه الجزيئات البسيطة، وعن هذا السؤال ظهرت النظرية الذرية الحديثة.

هذا جوهر العلم: اسأل سؤالًا لا علاقة له بالموضوع، تكن على الطريق لإجابة وثيقة الصلة بالموضوع!

مقالات ذات صلة:

الجزء الأول من المقال

علم إنساني واحد ذو فروع عديدة

فيزياء الصوت

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية