عودة الروح .. كيف نصنعها؟ – الجزء الثاني

إنَّ السؤال الشائك: كيف نصنع “عودة الروح” للإنسان العربي؟ وهو ما نسعى لمقاربته في الحيِّز الآتي:
أولًا: تصور “عودة الروح”
للروح مدلولات كثيرة وردت على صورٍ عديدة في كلام العرب، وفي النص القرآني خاصةً، منها مدلولات: القرآن: “أوحينا إليك روحًا من أمرنا”، الوحي: “يلقي الروح”، جبريل: “نزل به الروح الأمين”، المسيح: “وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه”، الرحمة: “لا تيأسوا من رَوح الله”، وغيرها، إلَّا أن أهم المدلولات العالقة بسياق كلامنا هنا هو مدلول القوة، والنصر، والثبات، والتأييد، وذلك على نحو ما ورد في قوله تعالى: “أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)”، سورة المجادلة.
لا أشاء هنا أن أقدِّم إليك خطاب وعظٍ وإرشادٍ، فأنت غنيٌّ عنِّي وعن الوعظ والإرشاد، بل لعلك ضجرٌ متأففٌ من الوعظ والإرشاد اللذين ينثالان على مسمعيك صباحَ مساء، تاركين في أذنيك طنينًا كطنين الذباب، أو دويًّا كدوي النحل، وإنَّما أبحث معك في النص القرآني العظيم، عن العلائق التي تصل بين الإيمان والروح، وبين الروح والإله القوي الخالق القادر على النصر والتثبيت، وعن النصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، وأريدك أن تمعن معي في النظر فيما أسميه بـ”الحالة” التي تقدمها الآية الكريمة. إن الخطاب القرآني هنا خطابٌ يصنع حالةً شعوريةً، وإنسانيةً، وجماعيةً، ودنيويةً، وأخرويةً، وإنسيةً، وإلهيةً في آنٍ.
الحالة هنا خروجٌ من المعهود، وكسرٌ للاعتياد وللمتوقع في أفق الانتظار، ذلك أن المقدمة المنطقية للعلاقات في الآية تتأسس على مقدمة “الإيمان”. والإيمان في حدِّ ذاته حالة مخرجةٌ من شيوع الكفر، وعموم الوثنية، وهو حالة نورانية مشاعرية ذات فيضٍ وإشعاعٍ تحثُّ الذات على العلو والارتقاء في مقاصدها، وفي سمو أخلاقها، وفي بوصلة النيِّة المطوية على عقيدة التوحيد تجاه الإله الواحد الأحد بلا شريك، ومن دون نفاقٍ أو رياء.
الحالة الإيمانية على هذا النحو، تحريرٌ للذات، وانعتاق للنفس من أسر الآخرين، بل في جوهرها مغالبة للغواية وللشهوات، وانتصارٌ على الفتن والنوازع الشيطانية، بل هي تفوقٌ على الدنيا بكلِّ مغرياتها، وهذه كلُّها مقدمات تأسيسية لاستيلاد الروح، وبعث الهمم، وصلابة العزائم. تلك المقدمات التي تقع في نسق الاستنباط من حيث منطق التفكير، تترتب عليها واقعيًا نتائج القوة، والتأييد، والنصر، وهي نتائج تتشكَّل في رحم الروح التي هي حضورٌ شعوري، ونوراني لا يُكسب الجسد الحياة فحسب، بل يمنح القلب، والفؤاد، والعقل، والنفس الحضورَ الأَلِقَ، والشفافية البصيرة التي تقشع السُّدف، وتبدد الظلمات، وتقتحم حُجُبَ الغيب، وتظن لك الظنون كأن قد رأت وقد سمعت، لأنها ظنونٌ باصرةٌ بصيرةٌ، تخرج رقراقةً من فيوضات الإشراق، وصافيةً من مِنَحِ الإلهام، وتعرج بصاحبها إلى معارج سماوية في نُبْلها، وفي قدرتها الباذخة على وشج ذاتها المفردة بذات الإنسانية في مجموعها العام، وهو وشجٌ يبعث على الطمأنية كما يبعث على القيمة، والرفعة، والتميز، والمثالية.
ولعلِّي بك الآن تسترجع معي رواية العبقري الفذِّ توفيق الحكيم “عودة الروح” التي كتبها عام 1927م، ونشرها عام 1933م. والحق أن شيئًا كبيرًا من أهمية هذه الرواية، ومن عظمتها، لا يرجع إلى آليات الحبك والسرد، وفتن القص وحِيَلِ الإبداع الأدبي، قدر رجوعه إلى قدرته الفذَّة على تجسيد تلك الروح التي عادت إلى الأسرة التي تسرد الرواية وقائعها، والتي ترمز إلى الشعب المصري في عمومه في مفصلٍ تاريخي استثنائيٍّ أبرزته ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول، تلك الثورة التي كشفت عن مائز الشخصية الوطنية المصرية، وعن تلك الروح الجمعية التي هيمنت على عموم المصريين لكي يتبلوروا في ذات اعتبارية جمعية واحدة، تلتف حول رمزٍ واحدٍ يقودها نحو التحرر، ويعمد إلى تصفية مصر حساباتها مع ماضٍ إقطاعيٍّ بغيضٍ، ويقتحم بها أهوال تحدي المستعمر الأجنبي الغشوم، ويكشف فيها عن روح المواطنة الحقيقية، ومدى التحام عناصر المجتمع بعضها ببعضٍ، كأنها جسدٌ واحد كالبنيان المرصوص، وأنَّ هذه الروح المتوهجة هي التي تعمل في خفاء في أنفس المصريين قاطبةً، وهي سرٌّ خالدٌ من أسرار تجمّعهم والتحامهم وقت المحن والأزمات، كأنهم يعشقون معبودًا واحدًا، ويلتفون حوله في حبٍّ وهيامٍ.
إنَّ الروح العائدة التي حدثك عنها توفيق الحكيم في رائعته الروائية، أو أحدثك عنها في مقالي هذا، لا بدَّ أن ترتكز على إيمانٍ، وأن تنبع منه. وليس شرطًا أو حتمًا أن يكون الإيمان هنا دينيًا، بل يمكن أن يكون إيمانًا بهدفٍ ما وحسب، هدف دنيوي تقف وراءه خطة أو رؤية تتنزل من الفرد، ومن المجموع منزلة العقيدة على نحو ما يتجلى في الأيديولوجيات المختلفة، أي أن الإيمان هنا حالة يصدق المرء فيها نفسه، ويؤمن بموضوعه، ويعمل بكل جوارحه له. لذلك ترى هذه الروح تتجلى على مستوى الفرد في العباقرة الذين قادوا البشرية إلى رقيها وتحضرها، وفي القادة العظام الذين رسموا معالم تاريخ البشرية، وفي الدول والأمم التي سادت وتحكمت، بل أنت تراها في لاعبي كرة القدم فرادى، وتراها فيهم جماعات على مستوى الفرق فيما يُعرف اصطلاحًا بـ”الريمونتادا” وفي “شخصية البطل”، إذْ يحدث ما يُشبه المستحيل من النتائج غير المتوقعة… وهلمَّ جرَّا في الألعاب والأعمال المختلفة.
إنَّ قراءة حصيفةً وعميقة للحرب الأمريكية الفيتنامية في القرن العشرين على امتداد سنوات طوال –على سبيل المثال– ورغم عدم تكافؤ القوى، يفضي بك حتمًا إلى سرٍّ خالدٍ من أسرار النصر الذي أحرزه الفيتناميون على الأمريكيين، وانتزعوا منهم حريتهم واستقلالهم، إنَّه “عودة الروح” التي تُحدث المعجزات، وأولها الانتصار على اليأس والقنوط، وتحدي الضعف والوهن. وتمديد القراءة إلى أعماق التاريخ سوف يكشف لك عن أسراره في مواقعه الكبرى مثل موقعة ذي قار للعرب على الفرس قبل الإسلام، وغزوة بدر، والأحزاب، وخيبر، وفتح مكة، وحطين، وعين جالوت، وفي معركة الزلاقة بالأندلس، وفي فتح القسطنطنية، وفي نصرأكتوبر المجيد… وغيره كثير كثير.
كلُّ ذلكم تجليات دامغة على عودة الروح التي تعلو على النسق، لتشكِّل نسقها الخاص خارج المعياري، والثابت من معهود النواميس والقساطيس، بل أنت حين تحلل برويَّةٍ وتؤدةٍ كيف استعاد الإسبان أرضهم، وكيف أخرجوا العرب منها بعد عمارتها أكثر من ثمانمائة عام، ستدرك أنها “عودة الروح” عند الفرنجة الإسبان، وغيابها عن العرب وشراذم قبائلهم المتطاحنة. وهكذا الأمم كافة، والأفراد عامةً لا خروج لعبقرية عن هذه الروح التي هي سرُّ الأسرار، وإكسير الانتصار.
مقالات ذات صلة:
هل الأمل ما زال موجودا حتى بعد كل ما أرته لنا الحياة؟
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا