هل يمكن تفسير السلوك على أنه نتيجة لبرامج مخزنة بالمخ؟ .. الجزء الثالث
برامج السلوك: فكرة جديدة لتفسير السلوك - ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء
عرضنا في المقالة الأولى قرائن قد تتيح لنا أن نفرض إمكانية أن يكون السلوك راجعًا إلى تشغيل برامج في المخ تشبه برامج الكمبيوتر التي نعرفها، وعرضنا في المقالة الثانية بعض تطبيقات تفصيلية لهذه الفكرة على بعض أنواع السلوك الفردي والجماعي.
في هذا الفصل نود أن نحاول النظر إلى بعض من أهم النظريات المعروفة في علم النفس من وجهة النظر الكمبيوترية.. إذا جاز التعبير!
النظرة الكمبيوترية
لنتذكر معًا كيف قسمت الرؤية الكمبيوترية نشاط المخ:
- البرامج التحليلية: التي تحلل كل شيء حتى نفسها.
- البرامج الإشرافية: التي تقوم بتصميم وتشغيل البرامج السلوكية التنفيذية.
- البرامج السلوكية التنفيذية: التي يكون السلوك النتيجة الظاهرة لتشغيلها.
قلنا إن كل هذه البرامج تعمل بعيدًا عن الوعي، وأن الوعي واجهة العمل العقلي، وأنه يشبه شاشة الكمبيوتر التي تظهر عليها نتائج تشغيل البرامج.
كذلك قلنا أن البرامج الإشرافية عندما تعمل تبدأ بعمليات رصد لما يلي:
- الميول الغرائزية للإنسان التي تمثل مصالحه.
- الظروف الواقعية المحيطة بالإنسان.
- قدرات الإنسان.
ثم تقوم بتصميم البرامج التنفيذية المناسبة لتحقيق مصالح صاحبها.
هذا مجمل النظرة الكمبيوترية للسلوك، ولنحاول فيما يلي إعادة فهم بعض النظريات الشهيرة في علم النفس، عن طريق تلك النظرة الكمبيوترية!
نظرية التحليل النفسي
لنبدأ بأشهر تلك النظريات؛ نظرية “التحليل النفسي” لصاحبها العبقري سيجموند فرويد، تقسم هذه النظرية النفس إلى ثلاثة كيانات:
- الهو: ويتألف من الميول الغرائزية.
- الأنا: يسيطر على الحركات الإرادية، ويقمع الغرائز التي لا تسمح الظروف الواقعية بإشباعها، ويحقق التكيف مع الواقع بحثًا عن السرور وتجنبًا للألم.
- الأنا العليا: يمثل المثل العليا والأخلاق، مصدره تأثير الوالدين وتقاليد المجتمع والمعلمين والشخصيات البارزة في الحياة العامة والدين بالنسبة إلى المؤمنين.
رؤية التحليل النفسي والرؤية الكمبيوترية
لنقارن الآن الرؤيتين معًا.. رؤية التحليل النفسي والرؤية الكمبيوترية:
الهو
أما “الهو” أو الغرائز فلن يختلف عليها أحد، تمثل في الرؤيتين الدوافع الأصيلة مجهولة المصدر، التي تمثل المصالح الجوهرية لذات الإنسان.
الأنا
إذا نظرنا إلى نشاط “الأنا” وجدنا أنه يقابل نشاط البرامج الإشرافية، فالأنا مسؤولة عن السلوك الإرادي للإنسان، وهي توفق بين الغرائز وبين الواقع، وكذلك فالبرامج الإشرافية مسؤولة عن وضع البرامج السلوكية التنفيذية وتضعها بعد رصد بيانات الغرائز وبيانات الواقع.
ربما لو أن الكمبيوتر كان قد اخترع على عهد فرويد لما فاته ذلك التشابه الذي يكاد يكون تماثلًا بين نشاط “الأنا” وبين تصميم برامج الكمبيوتر!
الأنا العليا
“الأنا العليا” من وجهة النظر الكمبيوترية برنامج سلوكي تنفيذي داخلي، تصممه البرامج الإشرافية لتدفع الإرادة الواعية إلى انتهاج أسلوب في الحياة، ظاهره التضحية وباطنه تحقيق مصالح للإنسان لا يدركها الوعي.
مثلًا النهي عن السرقة يحرمنا من التمتع بما يمكن أن نسرقه، لكنه في نفس الوقت يمنع الآخرين من سرقتنا، أما فيما يخص الوعي فالنهي عن السرقة سلوك نموذجي يستحق المدح في حد ذاته بغض النظر عن فائدته، فالوعي بالنسبة إلى العملية السلوكية مجرد أداة.
أما ما يخص المؤمن فإن البرامج الإشرافية تختار طاعة الله طلبًا لثوابه وتجنبًا لعقابه.
لكن ما دور الآباء في هذا المجال؟ إن الآباء (مثل غيرهم) يتبعون هذه البرامج الجماعية، ثم يأتي أبناؤهم فيقلدونهم بواسطة برامج التقليد التي بها يقلد الإنسان المحيطين به ليصير جزءًا من بيئته.
الأمر لا يقتصر على القدوة، بل إن الآباء ينصحون أبناءهم باتباع مثل هذه البرامج الجماعية التي تصممها البرامج الإشرافية، لأنهم يدركون بوعيهم الخاضع لهذه البرامج أنها برامج نافعة، بل إنهم قد يرغمون أبناءهم على اتباعها باستخدام الثواب والعقاب.
نظرية الشعور بالنقص
النظرية الثانية نظرية “الشعور بالنقص” للعالم المعروف إدلر، فإن إدلر يرجع معظم النشاط السلوكي إلى الشعور بالنقص ومحاولة التغلب على هذا الشعور.
من وجهة النظر الكمبيوترية فإن السلوك الذي يهدف إلى التغلب على الشعور بالنقص هو نتيجة برنامج سلوكي قامت البرامج الإشرافية بتصميمه لاستعادة شعور الإنسان بكرامته إزاء الآخرين وإزاء نفسه.
نظرية اللاشعور الجمعي عند يونغ
النظرية الثالثة: “اللا شعور الجمعي” للعالم يونج، وهذه النظرية تقول بوجود موروثات لا شعورية جماعية متراكمة داخل عقولنا عبر الأجيال، وتمتد هذه الموروثات إلى الإنسان الأول وتظهر في الأحلام وفي بعض التصرفات التي لا نجد لها تفسيرًا.
البرامج الإشرافية عندما تشرع في تصميم البرامج السلوكية فإنها تعمل باستخدام البيانات (DATA) المتوفرة لديها، ويمكننا أن نتصور أن من هذه البيانات بيانات موروثة جيلًا بعد جيل.
بالطبع لا تنتقل كل البيانات بالوراثة من جيل إلى آخر، لكن بعضها ينتقل قطعًا مثل الطباع العامة التي نجدها متوارثة في منطقة جغرافية معينة.
النظرية السلوكية
النظرية الرابعة النظرية “السلوكية” التي تحلل السلوك على أنه مثير (خارجي أو داخلي) تتبعه استجابة.
مثير استجابة
هذه النظرية تتجاهل ما بين المثير والاستجابة، بدعوى أنه لا يمكن رصد ما بين المثير والاستجابة رصدًا علميًا موثقًا، لكن الإنسان ليس آلة تعمل بأزرار، بحيث يستجيب لضغط كل زر منها استجابة معينة مسجلة في الكتالوج الخاص بالآلة، فبين المثير والاستجابة يقع ذلك النشاط العقلي المعقد الذي يجعل التنبؤ بالاستجابة شبه مستحيل.
الرؤية الكمبيوترية تضع البرامج السلوكية بمستوياتها المختلفة بين المثير والاستجابة، ومن ثمَّ فهي لا تتجاهل النشاط العقلي بل تحاول وضع تصور لهذا النشاط.
نظرية الجشطلت
النظرية الخامسة نظرية “الجشطلت” التي تتحدث عن التعلم بالاستبصار المفاجئ، فمن وجهة النظر الكمبيوترية فإن البرامج التحليلية وبرامج التعلم تتعامل مع موضوع التعلم بعيدًا عن الوعي حتى تستوعبه، ثم تخرج النتيجة إلى الوعي الذي “يفاجأ” بهذه النتيجة ويسميها “استبصارًا”.
وبعد، فقد كانت هذه جولة سريعة بين بعض أهم نظريات علم النفس، وقد حاولنا إعادة فهم هذه النظريات من خلال الرؤية الكمبيوترية التي طرحتها علينا التكنولوجيا الحديثة.
لعلنا لاحظنا أن الرؤية الكمبيوترية لم تهدم أي نظرية سابقة، بل حاولت إعادة فهمها عن طريق ما أملته علينا التكنولوجيا الحديثة من تصورات جديدة للنشاط العقلي.
الرؤية الجديدة في مجال العلوم الإنسانية –ولعلها في كل العلوم– لا تهدم ما قبلها من نظريات، لكن تحاول إعادة صياغته طبقًا لما تكشف للإنسان من معلومات جديدة عن ذلك العالم الغامض الذي يعيش فيه.
مقالات ذات صلة:
النظريات المفسرة للسلوك الإنساني
حتى الآلات الذكية في حاجة إلى النوم!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا