
المرأة والحجاب
البضاعة الثمينة هى ما تُخفى عن عيون الناس كالجواهر،
أما البضاعة زهيدة الثمن، هى ما نراها عارية دائما بالأسواق ” ..
كان هذا هو تناول قضية فرض الحجاب على المرأة المسلمة وأهميته من وجهة نظر رجال الدين فى بلادنا،
والتى تتضح من خلال خطاباتهم على منابر المساجد والإعلام؛ المرئى منه والمسموع.
ولكن دعنا، عزيزى القارئ، نخوض سويا فيما وراء فرض هذه العبادة على المرأة ،
لنستطيع تبيان أهمية الحجاب من منظور عقلانى،
بعيدا عن الخوض فى تفاصيل تضع هذه القضية موضعا سطحيا وتتعامل فقط مع المرأة على كونها جسدا فقط.
المرأة وتكريم الإسلام لها
فى البداية لابد لنا أن ننظر للكيفية التى يرى بها الإسلام المرأة ، وكيف كرمها،
بداية من تحريم “وأد البنات” الذى ذاع صيته فى شبه الجزيرة العربية قبل ظهور دعوة الإسلام،
وكيف ساوى بين المرأة وبين الرجل فى الحقوق والواجبات،
حيث قال تعالى ” من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة” غافر 40،
وقال تعالى ” كل نفس بما كسبت رهينة” المدثر 38،
والكثير والكثير من الآيات التى تدل على مكانة المرأة ومساواتها – فى الحقوق والواجبات- مع الرجل فى الإسلام،
بعد أن كانت إنسانا غير كامل الأهلية،
وغير مكتمل التكوين الإنسانى فى العديد من الأديان والثقافات المختلفة،
ولكننا لسنا هنا فى موضع للحديث عن ذلك.
ويبقى السؤال مطروحا، لم اختص الله المرأة بالحجاب دون الرجل؟
أكان هذا عدوانا عليها أم إصلاحا لها؟
الحجاب من منظور العقل
سنفكر سويا بطريقة عقلانية،
ولننطلق من فكرة أن” أهمية وجود الشئ تظهر من خلال تخيل عدمه”
فالشهوة الجنسية من أقوى الغرائز المتأصلة فى الإنسان،
وهذا ما أثبتته الدراسات النفسية والتى أقر بها عالم التحليل النفسى المعروف”فرويد”،
حيث رأى أن هذه الغريزة إن تركت بدون تقنين هكذا ستدمر المجتمع ولن تقوم حضارة فى ظل هذا الوضع،
ووضع ذلك فى كتابه “مستقبل وهم” الذى تناول فيه فكرة أن الحضارة لابد أن تقوم على نكران الغرائز والتحكم فيها حتى لا يفسد الصالح العام،
بغض النظر عن وجهة نظره أنَّ الدين وهم ومسكن لآلام قمع الغرائز الناتج عن الحضارة،
إلا أننا نتفق معه فى فكرته بأن ترك الزمام للغرائز دون لجام يضر بالمجتمعات أشد ضررا.
ولما كانت المرأة مختصة بالجمال،
فإن فى إظهار المرأة لمفاتنها وجمالها هذا أمام الرجال يعرضهم للاستثارة ويجعلهم أمام اختبار ضرورى لإخفاء مشاعرهم أمامها،
وحتى وإن نجحوا وكبتوا هذه المشاعر،
فإن المجتمع سيصاب بالعديد من الأمراض النفسية والعصبية
حيث إن أعصاب الإنسان محدودة التحمل أمام وضعها فى اختبارات متتابعة وطويلة قد تستمر أعواما
إن لم تكن طوال العمر!
التقدم الغربي ناقص!
أعلم عزيزى أنك تفكر الآن فيما حققه الغرب من تقدم وازدهار فى ظل حالة اختزال معايير الجمال فى إظهار مكامن الشهوات،
السائدة لدى نسائهن،
ولكن دعنى أوجه لك سؤالا، هل التقدم من وجهة نظرك يعنى التقدم المادى فقط؟
وهل ترى نفس هذا المقدار من التقدم على الصعيد الأسرى والاجتماعى والسلوكى لديهم؟
أعتقد أن هذه القضية لا تحتاج منا إلى دليل إثبات،
فشواهدها ظاهرة فى المجتمع الغربى بدرجة جلية، وعلى سبيل المثال بلغت نسبة الولادات غير الشرعية فى بريطانيا حسب إحصاءاتهم،
500 ألف طفل كل عام، مما دفع مسئوليهم للتحذير من هذه القضية،
لأنهم وجدوا أن هؤلاء يمثلون نسبة كبيرة من ملفات الجرائم لديهم عندما يكبرون،
وهذا كان مثالا واضحا لفكرة أن انعدام الشئ يُظهر أهمية وجوده.
الرجال درجات
وأعلم أن البعض قد يجدون من السهولة بما كان، أن ينظروا لـ المرأة من الجانب الروحانى الداخلى،
لا للصورة الجسدية التى أمامهم،
مما يجعلهم لا يلتفتون إلى مظهرها وزيها بشكل يبعدهم عن خوض اختبار الاستثارة من الأساس،
ولكن مانسبة هؤلاء العقلاء فى المجتمعات العالمية؟
ومهما وصلت المجتمعات إلى درجة عالية من التقدم الفكرى والثقافى والأخلاقى،
هل سترتفع نسبتهم إلى 100% من الرجال بما يعصم المجتمع من المشكلات النفسية والاجتماعية حينذاك؟
ومابال النشئ والمراهقين فى تلك الحالة؟
لسنا هنا بمعرض إتيان الدلائل على أن رفع نسبة الوعى فى المجتمعات إلى تلك الدرجة هى حالة مستحيلة الحدوث،
فإن تلك الحالة المثالية لم يؤمن بها أفلاطون نفسه!
أهمية الحجاب لـ المرأة
أما إذا أردنا أن نتبين أهمية الحجاب لـ المرأة،
فهى لا تنحصر فقط على المستوى المجتمعى والكيفية التى يساعد بها على عفاف المجتمع،
وإنما أهميته تتعدى ذلك إلى التأثير على الوصول للكمال النفسى والروحى لـ المرأة التى تسعى له كل سيدة،
بل يسعى إليه كل بني آدم، نساءً كُن أم ذكورًا.
وكيف أنه يضفى عليها شعور الحياء الذى يمثل أقوى صفاتها الأنثوية الروحية التى اختصها الله عز وجل بها،
وكيف أنه يساهم فى عفافها وتكاملها النفسى والروحى،
ويساعدها على تحقيق تكاملها مع زوجها، فهو لا يفتن بغيرها ومن ثم يراها ملكته الوحيدة!
فالحجاب، عزيزتي المرأة ، لا يتعامل معكِ بمنظور مادى على كونه يغطى جسدك بمنطق البضاعة الثمينة التى يجب أن تصان من عبث العابثين،
وإنما هو إضفاء لمسة من الكمال على روحك،
وشعور لن تجدى له وصفا مكتوبا،
لأن التأثير المعنوى قلما تجدى كلمات مادية تضاهيه،
فالحجاب إنما سنة الله عز وجل على المرأة لأنها عماد المجتمع،
فهى نصفه الأول وتربى نصفه الآخر،
فكان لزاما عليها أن تكون على درجة عالية من الكمال الإنسانى حتى يمكنها أن تفيض بما لديها على أبنائها.
ذلك الكمال المعنوى الذى يؤمِّنه الزى المغطى للعورات وبواطن الشهوات
كما يقول تعالى” يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ”
الأعراف: 26
اقرأ أيضا … رؤيتك خط سيرك – الأفكار الخاصة بنا وعلاقتها بوجهتها ومدى قدرتنا على التجر
اقرأ أيضا … حجاب يرفع حُجب
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا