
في أسوأ حالته النفسية ،عاد “ممدوح ” إلى البيت وعلى وجهه علامات الغضب والضيق ، فسألته الأم :أراك غاضب يا بُنى فماذا حدث ؟
فأجاب “ممدوح ” لقد تشاجرت مع زميلي في المدرسة وقمت بضربه .
فسألته الأم باستنكار : كيف فعلت ذلك ؟!! إنه لسوء خلق واندفاع منك أن تقوم بضربه !! فما التبرير لذلك ؟!
فأجاب ممدوح : لابد أن أعلمه “الأدب ” فقد أخطأ في حقي كثيرًا ووجه لي الكثير من الإهانات النفسية وحان الوقت الذي أجعله يخشاني ولا يتسبب في مضايقتي مرة أخرى .
فتحدثت الأم باستنكار : تعلمه الأدب !!
فأجاب ” ممدوح ” : نعم يا أمي إن ضربي له سيُعلمه ألا يضايقني مرة أخرى أو يسبب لي الأزعاج
فقالت الأم : لقد أسأت التصرف يا ولدي بهذا الفعل فلقد كان يمكنك معالجة مشكلتك معه بعدة وسائل أخرى غير الضرب .
فأجاب ممدوح : أنا غير نادم يا أمي على ما فعلت فالضرب هو الوسيلة الأنسب في التعامل مع مثل هؤلاء الأولاد المزعجيين ..ولقد تعلم الأدب وسوف يتحاشاني تماما بعد ذلك وأكون بذلك قد حققت ما أود الوصول إليه .
النفسية اللاشعورية للتبرير
فأجابت الأم بحزن : يا ولدي إنك ” تبرر ” لنفسك الخطأ الذي ارتكبت… وتخادعها .
فأجاب الابن بضيق : ولماذا أفعل ذلك ؟ وهل يمكن للإنسان أن يخدع نفسه!! هذا مستحيل
فأجابت الأم : نعم يمكنه ذلك يا بنى عن طريق إيجاد مبررات وأعذار، فالتبرير من الحيل
النفسية اللا شعورية التي يلجأ إليها الإنسان ليقدم لنفسه أعذارا أخلاقية لعمل غير أخلاقي،والهدف يا بنى من وراء التبرير القضاء على حالة القلق الداخلي وتحقيق الاستقرار النفسي
فالإنسان يا بنى مهما حاول فإنه لا يستطيع أن يعاند فطرة الله المغروسة في أعماقه، فيسعى إلى حالة من الوفاق والانسجام مع هذه الفطرة، لذا فإنه يبحث دائماً عن مبرر أخلاقي لكل عمل يقوم به ليسكت تأنيب ضميره، ويقضي على حالة الصراع الداخلي.
فأنت مثلا يا بُنى حين تشاجرت مع زميلك قلت لنفسك ( لابد أن أضربه لابد أن أعلمه الأدب ) فأنت عندما قررت أن تضربه أعطيت لنفسك الحق في ذلك
وأقنعت نفسك بصحة تصرفاتك ومواقفك بأنك تود أن تعلمه الأدب وبذلك أعطيت لنفسك تفسير منطقي بحقك في أن تضربه حتى لا تشعر بعد ذلك بتأنيب الضمير .
حتى السارق والقاتل يا بنى يُعطوا لأنفسهم مبررات وأعذار ويلجأوا الى التبرير للقيام بهذه الأفعال القبيحة فيقولون مثلا : (لقد أجبرتنا الظروف على فعل ذلك ) أو (كان يجب أن أفعل ذلك حتى أعيش ) أو (إنى سرقت من رجل غني ولن تضره سرقتى )..الخ من هذه المبررات .
حتى إخوة النبى يوسف (ع) حينما تأمروا على قتل أخيهم كان هذا المنطق المغلوط وهذه الأله التبريرية حاضرة عندهم حتى يُجملوا قبح جريمتهم في أنفسهم وحتى تُساعدهم على تنفيذ ما يريدون : فقد قالوا (اقتلوا يوسف او اطرحوه أرضا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين)
فأمريكا وإسرائيل مثلاً يا بنى رغم قوتهما إلا أنهما حين يرتكبان جريمة قتل في بلد فقير ضعيف ولا يخشون من انتقامه، ورغم ذلك فإنهما يربطان بين هذا الفعل وبين محاربة الإرهاب والتطرف، والسعي إلى نشر الحرية والعدالة والسلام.
القناعات الزائفة هروب
وهذا يدلل على أن هناك دافعاً أعمق من مجرد الهروب من العقاب، وهو الهروب من الفطرة الإنسانية، وإسكات القلق الداخلي الذي يحرم صاحبه من الاستقرار والطمأنينة ولكن يا بنى أعلم جيدا أن التبرير الذي يمارسه الانسان لا يغير الواقع ولن يغيره ولن يقلب الباطل حقا، ويظل البحث الدقيق والتفكير العميق كفيلا بأن يعري الإنسان أمام نفسه ويكشف لها الحقائق كوضوح الشمس، فالإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره .
إن قليلا من التأمل والتدبر والتفكير يا ولدي تجعله قادرا على التفريق بين ما يؤمن به حقيقة وما يدعيه ويحاول أن يُجمله ويزينه لنفسه عن طريق حجج وأعذار ومبررات وقناعات مزيفة فلا تخدع نفسك يا بني وكن يقظا ومنتبها لها .
وتركته الأم وهو يفكر في هذا الكلام وذهبت وهي تدعو الله في سرها أن يحفظ ولدها ويبعد عنه شر نفسه .
اقرأ أيضاً :
الكلمة عمل عظيم .. فحذاري من سوء إستغلالها!
آدم وسقراط والحديث عن الرغبة واليقظة! متى تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية ؟
ألف باء… تربية الأبناء .. هل هذا الطفل يحتاج إلى التربية والفهم الصحيح أم من؟
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.