مظاهر السطحية في المجتمع
عندما ترى سيدة تقود سيارة بها جزء منبعج ( من حادث كما يبدو ) أول ما سيتبادر إلى ذهن العديد من الرجال بكل سطحية .. ” الستات ما بيعرفوش يسوقوا ” أو ” آدي آخرة سواقة الستات ” مفترضين أنّ الخطأ في الحادث بالقطع سببه – بنظرة سطحية – هذه السيدة! ولا يضعون أي احتمال أن يكون قائد السيارة الأخرى ( وهو رجل ) هو من يتحمل الخطأ كاملًا!
إنّ الرجل يتناسى أنّ أغلب حوادث الطرق يكون الطرفان فيها رجالا، ويتناسى أنّه يرى بشكل يومي رعونة سائقي الميكروباصات وسيارات النقل وحتى التوكتوك، وجميعهم رجال.
هو استقى حكمه من موروثات قديمة وحكم ظاهري بتعميم أنّ كل النساء لا يستطعن القيادة وكان دليله على ذلك دليلا ظنيا. فهو لا يعرف المرأة ولا يعرف الطرف الآخر للحادث ولم يشهدها بنفسه، أو حتى سمعها من أحد الثقات.
إنّ هكذا تعامل مع الموقف هو تعامل في سطحية شديدة، استخدم معلومات ظنّية ولم يبحث عن دليل وبرهان يقيني، ثم أكمل قضيته بإصدار تعميم يشمل جميع النساء اللاتي يقدن السيارات.
إن المثال السابق بسيط ومنتشر بشدة في مجتمعنا في صور مختلفة، ويعكس مدى السطحية في الحكم على الأمور من حولنا، وتلك السطحية في الحكم لا تقتصر على الرجال بل تشمل النساء أيضا كبارا أو صغارا، لا فرق بين متعلم وجاهل.
تأثير سطحية النظرة في الحكم على القضايا
المشكلة في السطحية تكمن في عدّة نقاط، ولكي نستطيع حلها والتغلّب عليها يجب أوّلا أن نصل لمفهومها ومعناها الحقيقي..
السطحية المقصودة هنا هي الأخذ بما يظهر على الشيء من جانب واحد دون التدقيق والتحقيق في تلك الظواهر هل هي أصلية ومرتبطة بذاك الشيء ارتباطًا دائميًّا لا ينفصل عنه أبدًا، أم أنها مجرّد ظواهر زائدة يختلف تواجدها باختلاف الظروف، ويمكن لذلك الشيء أن يتواجد بها أو بدونها.
إذن كيف نفرق بين الظواهر الأصلية والظواهر الزائدة؟ إن وجود فرد واحد أو عنصر واحد يختلف في صفة معينة عن بقية الأفراد يثبت أن تلك الصفة ليست أصلية ولا دائمية.
ففي المثال السابق.. يكفي وجود إمرأة واحدة تجيد القيادة بحرفية ليبطل الحكم أن قيادة النساء جميعهن سيئة.
وللتوضيح إليكم أمثلة أخرى: مثلا لون الحليب أبيض، فهل اللون الأبيض أصلي؟ لا بدليل وجود حليب بالفراولة لونه وردي، وحليب بالكاكاو لونه بني، فاللون هنا تغير بتغير الظروف (من إضافة فراولة وكاكاو)، لكنه مازال حليبا.
لو جئنا للإنسان .. هل الإنسان يجب أن يكون لديه ذراعان وساقان؟ وبدونهما لا يصبح إنسانا؟بالطبع لا، فهناك من يفقدون أطرافهم (لمرض أو حادث أو حرب) أو حتى يولدون بدونها لعيب خلقي، وبرغم ذلك يُصنّف الواحد منهمبأنه”إنسان” وليس شيئا آخر.
لكن إذا نزعنا عن الإنسان (فرضا جدلا) قدرة جسده على النمو والحركة والإحساس، أي أنه فَقَدَ حياته، فقدْ تحول هنا إلى جمادٍ وجثة هامدة ولا يُسمى إنسانًا.
إذن فالسطحية هي الإهتمام بالقشور الخارجية التي قد لا تعكس بل وتخفي حقيقة ولُبّ الموضوع. فما المشكلة في السطحية؟ وما خطورتها؟
المشكلة أنها تبني أحكاما على معلومات ظنية متغيرة بشدة، فيكون الحكم خاطئا وظالما في بعض الأحيان، المشكلة الأكبر أنّ الأخذ بعوارض الأمور وظواهرها المتغيرة يتحول لأسلوب حياة ويكاد يطال كل جانب من جوانب الحياة، فنبتعد تدريجيا عن الحقيقة كما هي في الواقع، وتطال تلك السطحية كل أفكارنا وتعاملاتنا مع من حولنا، فنجد أنفسنا نغوص في عالم لا ثوابت فيه تملؤه الفوضى وتحكمه العبثية.
عبثية النظرة السطحية للإله
فمثلا التعامل السطحي مع الأفراد يجعلنا نصنّفهم بحسب اعتقادات وموروثات سابقة لدينا قد لا يكون لها أساس من الصحة فنفسر تصرفاتهم وأقوالهم على غير حقيقتها، ونصدر أحكاما مسبقة قد تؤدّي إلى خسارتهم.
الكارثة الأكبر خطورة هي التعامل بسطحية مع المعتقدات التي على أساسها نبني كل قوانينا وأفعالنا الحياتية، فهناك من يتعامل مع الإله بسطحية شديدة لا يستطيع معها أن يفهم ويقدر قدسيته، ولا حتى أن يقدّر أهمية كتابه المقدس ونبيه المرسل، فيكون تعامله على مستوى أن ذلك الكتاب هو للمطالعة يستطيع أن يفهم منه ما يشاء دون الحاجة لأي دراسة أو مقدمات لفهم النص، ولا يبذل فيه أي مجهود كذلك الجهد المبذول في دراسة أي علم من العلوم الدنيوية، فيصدر منه أحكاما هي أقرب لهَواه منها للحقيقة، وعندما يتحدّث عن النبي يعتبره رجلا عاديا لا يتميز بأي شيء سوى أنه يبلغ النص الإلهي ولا فضل له بعد ذلك. فلا يشعر بعظمته ولا يصل لفهم رقيه الإنساني، بل قد يصل البعض ليرى نفسه ندّا له.
إن من الأسباب الرئيسية للسطحية الكسل .. نعم الكسل، فمن يأخذ بالظواهر السطحية لا يريد أن يتعب نفسه بالبحث عن الحقيقة، فالأسهل لديه أن يعمل بما يراه ظاهريا دون أيّ محاولة للفهم! والأقرب إلى قلبه أن يعمل بما يهواه، ويترك عقله يغط في نوم عميق دون إزعاج فتكون القيادة بالكامل لهوى النفس. إنّ من لا يريد أن يبحث عن الحقيقة ولا أن يتعب عقله في التفكير لما قد يحمله الموقف من معاني مختلفة غائبة عنه هو في الواقع يخاف من الحقيقة، يخاف من تبعات معرفته لها وما قد يتوجّب عليه من فعل معاكس لهواه.
ليس كل ما نراه في الظاهر يكون كما هو في باطنه، لذلك إذا لم نستطع الوصول لحقيقة الأمر بالدليل القطعي وجب علينا أن نضع في اعتبارنا أن هناك جوانب لم تتكشف لنا بعد ممكن أن تغير نظرتنا وحكمنا إلى النقيض.
فلننفض عن أفكارنا تلك القشور لنستطيع أن نري الواقع كما هو ، فتضيء عقولنا بنور الحقيقة.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.