الغزو الثقافي
ظهر استخدام مصطلح الغزو الثقافي (Cultural Invasion) في ستينيات القرن العشرين، حيث شهد هذا القرن تخلي الدولة الاستعمارية الغربية القديمة عن سياساتها العسكرية الغاشمة تجاه دول الشرق والعالم العربي والإسلامي.
تلك السياسات التي كانت تنتهجها في الماضي، ولجأت إلى اتباع سياسات غير مُعلنة وسرية من أجل فرض سيطرتها وغزوها لثقافة دول منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي.
مفهوم الغزو الثقافي
يُشير مُصطلح الغزو الثقافي إلى بذل الشعوب الغربية القوية سياسيًا واقتصاديًا جهودًا ومُمارسات عديدة من أجل فرض ثقافتها الخاصة على الشعوب والأمم الأضعف منها بمنطقتنا الشرقية العربية.
على مر التاريخ، القديم منه والحديث، تسعى الأمم والشعوب التي تنتصر في الحروب والمعارك، وتحتل أراضي الغير، سعيًا حثيثًا إلى فرض هيمنتها وسيطرتها، عن طريق إلزام الشعوب المهزومة إلى تبني عادات الشعوب المُنتصرة وتقاليدها، وأيضًا الممارسات الدينية، وكذا لغتها، إضافة إلى إلزامها بتبني عاداتها وتقاليدها الاجتماعية، وأخلاقياتها أيضًا.
كل ذلك من أجل نشر ثقافة المنتصر وهيمنته، والتدليل على فوقية ثقافته ودونية ثقافة الشعوب الضعيفة، المفروض عليها تغيير ثقافتها واستبدال ثقافة الشعوب الأقوى المُهيمنة بثقافتها.
كيف يحدث الغزو الثقافي؟
وهكذا فإن الغزو الثقافي هو نوع من أنواع الاستعمار الفكري العقلي الثقافي، أكثر منه استعمار جغرافي مكاني، وإن كانت الدول والشعوب العظمى تمارسه قديمًا جبرًا وعن طريق استخدام القوة العسكرية الغاشمة، إلا أنها في عصورنا الحديثة والمعاصرة صارت تُمارسه بدون تلك الممارسات العسكرية القديمة.
لم تعد في حاجة إلى الانتقال والتحرك من مكانها إلى حيث يُقيم الشعب المُستهدف، إذ يكفيها وعن بُعد، نشر ثقافة ضرورة التغيير والاستبدال والتحول بين أفراد تلك الشعوب المُستهدفة الضعيفة، بحجة العمل على ارتقائه وانتقاله إلى مصاف المتحضرين من الشعوب والأمم.
تهدف الشعوب الغنية القوية من وراء نشر ثقافة ضرورة التغيير والتحول تلك إلى تقليل قُدرة المُستضعفين على المقاومة، أو التوحد والترابط بين أفراد شعوبها، ومن ثم الانسياق وراء رغبة الشعوب القوية المهيمنة وتنفيذها دون مقاومة أو إعمال عقل، وذلك لوقوع أفراد الشعوب المُستضعفة أسيرة هوى وثقافة الشعوب القوية الغنية المُهيمنة.
مظاهر الغزو الثقافي الغربي
تلجأ الشعوب القوية والغنية في العصور الحديثة والمعاصرة إلى مُمارسات عدة من أجل غزو ثقافة الغير وإفقاده هويته وتوحده، ظاهرها تقديم المساعدات والرعاية والتنمية الصحية والتعليمية والاقتصادية، وباطنها التغلب والسيطرة والهيمنة والاحتلال.
يحدث ذلك عن طريق تقديم المساعدات والقروض المالية واللوجيستية للدول المُستهدفة والمُستضعفة، وكذلك التوسع في الممارسات التجارية الدولية والاستثمار الأجنبي على أرض تلك الشعوب الضعيفة، بغرض تغيير أنماط استخداماتها واعتمادها على منتجات الشعوب المُهيمنة، وعدم قدرتها على الاستغناء عن استخدام تلك المنتجات والسلع.
بل قد يصل الأمر إلى استغناء الشعوب المُستضعفة عن منتجاتها القومية واستبدال منتجات الشعوب المُهيمنة القوية بمنتجاتها، وذلك لشعورها بدونية وحقارة منتجاتها وعدم دقة تصنيعها. وهكذا تفقد الشعوب المُستضعفة رويدًا رويدًا هويتها وسماتها، وتفقد أيضًا سيطرتها على أراضيها وترابط أفرادها وبالتالي تفقد حريتها واستقلالها.
كيف نعالج ظاهرة الغزو الثقافي الغربي؟
هكذا، فإن الغزو الثقافي أشد خطورة وألمًا من الغزو العسكري، لاعتماده على السرية والغموض، والسعي الدائم والمستمر من أجل السيطرة على العقول وتغيير الأفكار والمعتقدات، لا سيما عقول الشباب والمراهقين وفكرهم، بغرض زعزعة العقيدة في نفوسهم والتشكيك بها، وإثارة الشبهات.
من ثم يجب علينا في منطقتنا العربية وشعوبنا الإسلامية أن نعتز بهويتنا والتمسك بثقافتنا، ونرفض التبعية والتقليد الأعمى للغرب. يتم ذلك عن طريق تربية شبابنا على الاعتزاز بقوميته والانتماء لبني جلدته والتمسك بعاداته وتقاليده،
وعدم الانسياق وراء الدعوات المشبوهة بالحرية الدينية والاجتماعية، والتي تأتي لهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وكذا الإعلام الرخيص المأجور. مع ضرورة التأكيد في نفس الوقت على تطوير الوعي الذاتي بفهم الآخر والتعريف بما هو خاطئ أو مختلف، فليس كل مختلف خاطئًا.
اقرأ أيضاً:
أثر الغزو الثقافي اليوناني على المجتمع الروماني
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا