الْعُطَاس

حَدَّثَنَا أَبُو كِمَامَةَ الْكُورُونِيُّ قَالَ: “بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ، كَأَنَّمَا الطُّيورُ عَلَى الرُّؤُوْسِ، وَقَدِ اتَّخَذَ كُلٌّ مِنَّا مَوْضِعَهُ، وَتَمَثَّلَ مِهَادَهُ وَمَوْقِعَهُ، وَقَدْ تَبَاعَدَتْ أَجْسَادُنَا، وَتَنَاثَرَتْ أَشْخَاصُنَا، حَتَّى كَأَنَّ الْخِصَامَ قَدْ ضُرِبَ بَيْنَنَا بِسُوْرٍ لَهُ بَابٌ، بَاطِنُهُ فِيْهِ الْمَلَامُ، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْمَوْتُ الزُّؤَامُ،
وَقَدْ تَلَثَّمَ كُلٌ مِنَّا كِمَامَتَهُ، وَاعْتَجَرَ شَالَهُ وَعِمَامَتَهُ، فَتَرْحِيْبُنا بِالْكَلَامِ دُوْنَ مُصَافَحَةِ الْأَيْدِي بِالسَّلَامِ، قَدْ حَاذَرَ كُلٌّ مِنَّا الْقُرْبَ مِنْ صَاحِبِهِ الْحَمِيْمِ، وَتَجَافَى عَنْ أَخِيْهِ السَّلِيْمِ، كَأَنَّهُ وَقَدْ تَبَدَّى عَدُوًّا لَدُوْدَا، أَوْ حَاقِدًا مُتَنَافِرًا حَسُوْدًا،
وَقَدْ تَنَبَّهَ الْجَمِيْعُ مِن الْكَبِيْرِ لِلرَّضِيْعِ إِلَى مَا نَحْنُ فِيْهِ مِنْ دَاءٍ عُضَالٍ، وَمَرَضٍ فَتَّاكٍ قَتَّالٍ، يَنْتَقِلُ بِالْعَدْوَى، كَأَنَّهُ الْبَلْوَى، فَأَحْضَرَ كُلٌّ مِنَّا حَاجِيَاتِهِ، وَأَصَرَّ عَلَى اصْطِحَابِ ضَرُوْرِيَّاتِهِ، فَجَلَبَ مَعَهُ أَكْلَهُ الْأَثِيْرَ، وَلَازَمَ شَرَابَهُ الْمُثِيْرَ، وَلَمْ يَنْسَ مَقْعَدَهُ الْوَثِيْرَ، حَتَّى لَا نَتَبَادَلَ الْأَغْرَاضَ، أَوْ نَلْجَأَ إِلَى تُهْمَةِ التَّبَادُلِ أَوِ الْإِقْرَاضِ.
حالة من التجسس والتلصص
وَقَدْ ظَلْنَا عَلَى هَذِي الْحَالِ، وَتِلْكُمُ الْمَقَالِ الَّتِي لَا تَسُرُّ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ حَبِيْبٍ، أَوْ غَرِيْبٍ أَوْ قَرِيْبٍ، بَلْ لَا تَكَادُ تُسْعِدُ إِلَّا هَذَا (الْكُوْفِيْدَ) الْكَئِيْبَ، الَّذِي عَمَّ الدِّيَارَ وَالْأُفُقَ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ،
فَلَاحَتْ مَصَائِبُهُ، وَتَمَايَلَتْ مَضَارِبُهُ، وَذَاعَتْ غَرَائِبُهُ، وَاتَّسَعَ بِهِ الشَّقَاءُ، وَتَمَادَى بِهِ الْعَنَاءُ، وَطَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَالْأَسْقَامُ، وَشَاعَتْ بِهِ الْأَوْجَاعُ وَالْآَلَامُ، فَتَرَاءَى –مِنْ ثَمَّ– شَبَحُ الْمَوْتِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَمْ يَعُدْ لِلدُّنْيَا أَيُّ أَمَانٍ.
أَقُوْلُ لَقَدْ ظَلْنَا عَلَى هَذِي الْحَالِ مِنَ التَّرَبُّصِ، وَهَذَا الْوَضْعِ الَّذِي يُشْبِهُ التَّجَسُّسَ وَالتَّلَصُّصَ، فَمَا إِنْ يَتَزَحْزَحُ أَحَدٌ مِنْ مَوْقِعهِ، أَوْ يَتَحَرَّكَ شَخْصٌ مِنْ مَوْضِعهِ، فَيَمِيْلُ أُنْمُلَةً إِلَى حُدُوْدِ جَارِهِ، أَوْ يَقْتَرِبَ شِبْرًا مِنْ حِمَاهُ وَسِوَارِهِ،
حَتَّى يَصْرُخَ فِي وَجْهِهِ آَسِفًا مُنْتَفِضَا، وَيُجَابِهَهُ مُكْفَهِرًّا مُمْتَعِضَا، وَقَدْ تَطَايَرَ الشَّرَرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَأَزْبَدَ وَأَرْعَدَ مِنْ كَلَامِهِ وَفِيْهِ، أَنِ الْتَزِمْ يَا هَذَا مَكَانَكْ، وَلَا تُجَاوِزْ جِوَارَكْ، وَإِلَّا سَتَنَال مَصِيْرَكَ، وَلَنْ تَجِدَ نَصِيْرَكَ، وَحِيْنَهَا ستَتَلَقَّى بِالطَّرْدِ عِقَابَكْ، وَيَكُوْنُ شُؤْمَكَ وَمَآَلَكَ.
جائحة تحصد الأرواح
وَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا الْحَمِيْمُ، كَأَنَّهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيْمُ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنَّا عَنْ سَبَبِ غِيَابِهِ، وَمَا الَّذِي أَخَّرَهُ وَمَا بِهْ، سِيَّمَا وَقَدْ تَهَادَى إِلَيْنَا بِهَيْئَةٍ عَلَيْنَا غَرِيْبَةٍ،
وَلَنَا كَئِيْبَةٌ عَجِيْبَةٌ، إِذْ تَعَرَّتْ مِنَ الْاِحْتِرَازَاتِ، وَخَلَتْ مِنْ جَمِيْعِ الْإِجْرَاءَاتِ، خَاصَّةً وَقَدْ نَسِيَ كِمَامَتَهُ، وَتَسَاهَلَ فِي اعْتِجَارِ عِمَامَتِهِ، فَبَدَا وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، أَوْ كَأَنَّ الْكُوْرُوْنَا لَمْ تَسْتَقِرّ لَدَيْنَا وَتَسْتَكِن،
وَقَدْ تَغَافَلَ –لَا سَامَحَهُ اللهُ– عَنْ جَائِحَةٍ تَحْصُدُ الْأَرْوَاحَ، أَوْ عَنْ هَذَا الطَّاعُوْنِ الَّذِي يَنْهَشُ فِي الْأَجْسَادِ وَالْأَلْوَاحِ، وَحِيْنَمَا بَدَأَ بِالْكَلَامِ، وَأَلْقَى عَلَيْنَا السَّلَامَ، رَدَّ عَلَيْهِ الْقَوْمُ بِالْاِمْتِعَاضِ وَالْمَلَامِ،
وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ أُذْنًا لَهُ مُصْغِيَةً، وَوُجُوْهًا مُرِيْحَةً مُرْضِيَةً، انْسَحَبَ فِي صُمُوْتٍ، وَتَخَفَّى فِي سُكُوْتٍ، فَانْتَبَذَ مَكَانًا قَصِيًّا، وَمَوْضِعًا نَائِيًا حَيِيًّا، وَقَدْ حَاذَرَ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ الْقَوْمِ هَامِسًا أَوْ نَدِيَّا.
الطامة الكبرى
وَبَعْدَ أَنْ تَشَاغَلْنَا بِأُمُوْرِنَا، وَتَحَدَّثْنَا فِي أَخْبَارِنَا وَشُؤُوْنِنَا، وَتَنَاسَيْنَا بَعْضَ الشَّيْءِ هُمُوْمَنَا وَشُجُوْنَنَا، وَلَمَّا كُنَّا كَذَلِكَ، إِذْ حَدَثَ مَا لَمْ يُحْمَدْ عُقْبَاهُ، وَمَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ أَحَدٍ مِنَّا أَوْ يَتَمَنَّاهُ، مِنْ أَمْرٍ تَشِيْبُ لَهُ الْوِلْدَانُ، وَفَاجِعَةٍ يَنْفَطِرُ لَهَا الْوِجْدَانُ،
وَيَتْرُكُ مِنْ هَوْلِهِا الْخِلُّ خَلِيْلَهُ، وَالصَّاحِبُ مُرْشِدَهُ وَدَلِيْلَهُ، بَلْ يَفِرُّ بِسَبَبِهَا الْمَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيْهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيْهِ، فَلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيْهِ، فَقَدْ جَاءَتِ الطَّامَّةُ، وَآَنَتِ الَّلامَّةُ، وَحَطَّتِ الْمُصِيْبَةُ الَّتِي لَمْ يَتَوَقَّعْهَا أَحَدٌ مِنَ الْحَاضِرِيْنَ، أَوْ تَدُرْ بِخَلَدِ أَيٍّ مِنَ الْجَالِسِيْنَ الْهَادِئِيْنَ، أَوِ الْمُتَمَلْمِلِيْنَ الْمُتَرَبِّصِيْنَ.
جريمة نكراء

وَبِالْمُصِيْبَةِ الَّتِي مِنْهَا الْكُلُّ قَدِ اسْتَغْرَبَ وَذُهِلْ، وَالْقَوْمُ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْاِسْتِنْفَارِ، حَتَّى كَادَ يَحِيْدَ عَنْهُمُ الْهُدُوْءُ وَالْاسْتِقْرَارُ، قَدْ تَرَكَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا فِي يَدَيْهِ، وَتَفَرَّغَ لِمَا رَأَى بِأُمِّ عَيْنَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ فَقَدْ تَبَادَرُوْا إِلَيْهِ بِالْمُلَاحَاةِ وَالسَّبِّ، حَتَّى كَادَ أَحَدُهُمْ يَهْجُمُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ، وَإِنِ اكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِالْغَلِيْظِ مِنَ الكَلَامِ، وَعِبَارَاتِ التَّقْرِيْعِ وَالشِّتَامِ، وَإِنْ أَصَرَّ أَحَدُهُمْ أَنْ يُوْجِعَهُ بِالكلَامِ،
أَوْ يُنَاوِشَهُ بِالسِّهَامِ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَخَافَةُ الْعَدْوَى إِنْ مَسَّهُ، وَسُوْءُ الْمَثْوَى إِنِ اقْتَرَبَ مِنْهُ أَوْ لَمَسَهُ، وَلَمْ تَهْدَأْ ثَائِرَتُهُمْ، أَوْ تَخْمُدْ بَائِقَتُهُمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَنَادَوْا عَلَيْهِ، وَأَشَارُوْا إِلَيْهِ أَنْ يَهُمَّ بِالْخُرُوْجِ غَيْرَ مَأْسُوْفٍ، أَوْ أَنْ يَذْهَبَ بِرِيْشٍ مَنْتُوْفٍ.
حالة يرثى لها
وَصَاحِبُنَا –فِي حَالَةٍ يُرَثَى لَهَا وَيُبْكَى مِنْ أَجْلِهَا– يَنْظُرُ إِلَيَّ، وَيُشِيْرُ نَحْوِي، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْلِفُنِي بِاللهِ وَالرَّحِمِ، وَلِمَا بَيْنَنَا مِنَ الْخِصَالِ وَالشِّيَمِ، وَالدَّمْعُ مِنْهُ قَدْ بَدَا وَهَمَا، وَالْوَخْزُ قَدْ ظَهَرَ ونَمَا، وَهُوَ يَتَوَسَّلُ بِعَيْنَيْهِ، وَيُوْمِئُ إِلَيَّ بِيَدَيْهِ، وَالْقَلْبُ مِنْهُ قَدِ اكْتَوَى، وَالصَّدْرُ قَدِ اجْتَوَى، فَحَنَنْتُ حِيْنَئِذٍ عَلَيْهِ، وَتَدَخَّلْتُ عِنْدَ الْقَوْمِ لَدَيْهِ، فَتَدَارَكْتُهُ بَعْدَ أَنْ هَمَّ بِالْقِيَامِ،
وَأَمْسَكْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ مُوَدِّعًا عَلَى الْجَمْعِ السَّلَامَ، فَقَعَدَ بَعْدَ وُقُوْفٍ، وَجَلَسَ بَعْدَ أَنْ نَالَ مِنَ التَّأْنِيْبِ الصُّنُوْفَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ شَاكِرَا، وَلَوَّحَ ذَاكِرَا، فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ عَلَى بُعْدٍ، وَكَأَنَّنِي أَعْتَذِرُ لَهُ عَمَّا بَدَرَ مِنْ وَخْزٍ وَصَدٍّ، بَيْدَ أَنَّنِي مَعَ ذَلِكَ لَمْ أَجْرُؤْ أَنْ أَجْهَرَ لَهُ بِالْقَوْلِ:”يَرْحَمُكُمُ اللهُ” مُشَمِّتًا إِيَّاهُ، بَعْدَ أَنْ هَممْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ، وَكِدْتُ، وَمَا لَيْتَنِي،
فَقَدْ خِفْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أُخْرَجَ مِنَ الْمَجْلِسِ مَذْمُوْمًا، وَأُسَبَّ مِنَ الْجَمِيْعِ مَدْحُوْرًا مَلُوْمَا، بَعْدَ أَنْ يَتَّهِمَنِي الْقَوْمُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي الْجُرْمِ الْعَظِيْمِ، وَذَلِكُمُ الذَّنْبِ الْجَسِيْمِ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَانِي مُتَقَهْقِرًا، وَإِلَى مَوْضِعِي مُنْكَسِرًا مُتَصَاغِرًا، وَأَنَا أُرَدِّدُ فِي نَفْسِي،
وَأُتَمْتِمُ فِي حِسِّي وَهَمْسِي، وَالْحَسْرَةُ تُذِيْبُ قَلْبِي، وَالْهَمُّ يَنْهَشُ رُوْحِي وَلُبِّي: “رَحِمَ اللهُ أَيَّامَ الْعَطْسِ الْجَمِيْلِ، وَالرَّدِّ الْجَزِيْلِ، وَقَاتَلَ اللهُ الْكُوْرُوْنَا، فَلَكَمْ قَطَّعَتْ مِنْ أَوْصَالٍ، وَتَفَرَّقَتْ بِسَبَبِهَا أَوَاصِرُ الْاتِّصَالِ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ”!
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا
