فن وأدب - مقالاتمقالات

أمنية طفل

حركة غير عادية تشهدها الفيلا الواسعة التي يعيش فيها هشام مع أخته الرضيعة ووالديه، ثراء واضح، وحياة مترفة، فقد ورث والده عن جده أموالا كثيرة، حيث كان الابن الوحيد، ومن ثم فقد حصل على ثروة طائلة،

إذ كان الجد صاحب أكبر شركة منسوجات في المنطقة، وقد كان يتمتع بسمعة طيبة وشمائل حميدة، فورث الابن (والد الطفل هشام) الأخلاق والمال، ولم يكتف بذلك، بل قام بفتح أسواق جديدة، معتمدا على دراساته وبحوثه وإفادته من آليات العصر.

الطفل هشام

عاش الطفل هشام في وسط هذا الجو الجميل، ونشأ في أكناف العز، وسرابيل الرفاهية، كان كل شيء رهن إشارته في هذي الفيلا، حجرة مجهزة لنومه، وأخرى لمذاكرته، وثالثة لألعابه، ورابعة لهواياته، إلخ، ناهيك عن حديقة واسعة فيها من أنواع الزهور النادرة والطيور المزركشة.

إضافة إلى اشتراكه في أكبر النوادي، للتريض وممارسة رياضة التنس التي يعشقها، وقد أحضر له أبوه مدرسين متخصصين في كل المجالات، في الدراسة، والرياضة، والموسيقى، والرسم، مع “الهاوس كيبر” التي تقوم بشأنه، وتساعد والدته في تربيته.

وبرغم من كل هذا فإن مسحة من كآبة، وسحابة من حزن، كانت كثيرا ما تنتاب هشاما من حين لآخر، سرعان ما تنكشف حينما تجتمع الأسرة كاملة في الإجازة الأسبوعية في حديقة الفيلا، وقد كانوا يصرون على ذلك، نظرا لانشغال الأب في أعماله ومشروعاته، لكن يوم الجمعة كان مقدسا، يقضونه سويا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وها هو صيف هذا العام لا يرحم، وقيظه يشتد، والفيلا لا تطاق، والمكيفات المنتشرة في أرجائها لا تفعل شيئا، وهم على موعد لقضاء شهر أغسطس كاملا في الساحل الشمالي حيث يمتلكون هناك (شاليها) مجهزا.

استراحة للعائلة

ومن ثم كانت الحركة غير عادية في هذا اليوم، لتجهيز حقائب السفر، وأخذ ما يمكن أن يحتاجوا إليه في هذا المصيف، مع أن الشاليه كان مجهزا بكل شيء، لكن الأمر لا يسلم كما يقولون، حركة هنا، وأخرى هناك، وأخيرا تجهز الجميع،

وها هي الشغالة والبواب قد حملا الحقائب ووضعاها في السيارة الفارهة التي بدأت الانطلاق، بعد أن ركب هشام وأخته ووالدته، وما هي إلا لحظات حتى استسلم هشام للنوم متناغما مع تكييف السيارة، والموسيقى الهادئة التي تنبعث منها.

ثم انتبه هشام فإذا بالسيارة قد توقفت فجأة، ولما سأل والده عن سر ذلك، أخبره أنهم سينزلون الآن في استراحة لمدة ساعة وبعدها سيكملون السير، دخلوا الاستراحة، وقد بدا أنها مجهزة بكل شيء،

خصوصا وأن زوارها من علية القوم، فأحضروا لهم كل شيء من أطعمة ساخنة، وأشربة ساخنة، وكل ما يحتاجون إليه في الطريق، ولم تمتد يد هشام على شيء من كل ذلك، إلا على زجاجة المياه، نظرا للحر الشديد.

الطفل السعيد

أمنيات الأطفال

وقد نظر هشام خارج الاستراحة فوجد طفلا في مثل سنه وهو ذو حالة مزرية، وقد ارتدى أسمالا بالية، رآه وهو يقضم ساندوتشات الفول والطعمية، وقد بدا من طريقة أكله لها، حالة من النهم، والشراهة، والاستمتاع في الوقت ذاته، يأكل وقد ألصق ظهره بالحائط، نظر إليه هشام، واحتضنه بكلتا عينيه، وابتسم له، فبادله الطفل الابتسامة.

وبعد حين من الوقت، وقد استراح الأب من تعب القيادة، قاموا متجهين إلى السيارة، وثمة وجد هشام ذلكم الطفل ذا الأسمال البالية، وقد أمسك بقطعة من القماش القديمة (فوطة) وهو يمسح سيارتهم،

لاحظ هشام أن الطفل سعيد جدا وهو يقوم بعمله، فهو يدور مع السيارة يمنة ويسرة، ولا يترك موضعا إلا وهو يعمل فوطته فيه، مع أن السيارة لا تحتاج إلى كل ذلك، لكنه الغبار الذي ربما علق بها أثناء السفر،

وبعد أقل من دقيقتين انتهى الطفل من مسح السيارة كأفضل ما يكون، فمدَّ الأب يده وأعطاه خمسة جنيهات، وكان هشام يدقق النظر إلى الطفل من وراء الزجاج، مبتسما له، وحينما هم الأب في التحرك، تنبه هشام فمد يده من شباك السيارة، وأعطى للطفل خمسين جنيها، فابتسم الوالد، ولم يتكلم، ثم انطلقت السيارة متجهة نحو الساحل الشمالي.

أمنيات الأطفال

وطيلة المسافة المتبقية وهشام شارد الذهن، لا يتكلم، ولا يتفاعل مع والديه، أو حتى أخته الصغيرة، وهنا قال الأب لابنه، وقد أهمته حالته، ولفت نظره: “ما بك يا هشام، ما بك حبيبي؟”، وبادرته الأم بالسؤال نفسه، لكن هشاما ظل على شروده هائما،

حتى فاجأهم أنه يريد شيئا ما، نعم، يريد شيئا ما، فإذا بالوالدين ينتفضان: “تفضل يا حبيبي، قل، طلباتك أوامر، اطلب ما شئت، ماذا تريد؟ الدنيا كلها تحت أمرك، نحن هنا من أجلك، لك ما شئت، قل ماذا تريد؟”، وهشام لا ينطق، “قل يا حبيبي، ماذا تريد؟”،

– نفسي آآ.. اأ

– قل حبيبي، نفسك في إيه؟

– نفسي أمسح عربيات!

اقرأ أيضاً:

تنمية مهارات الطفل نهايتها حتما الإبداع

التربية ودورها في إنشاء الطفل تنشئة سليمة 

الطفل ابن الخمسين

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب