نظرة في جمهورية أفلاطون

نظرة في جمهورية أفلاطون
كتب الشيخ منير فرّو
قال تعالى في القران : ” لقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك”، فالله تعالى ذكر 25 نبيا باسمه ولكن هذه الآية دلت على أن هناك أنبياء كثر لم يتم ذكرهم لحكمة في ذات الله، فهناك الكثير من الشخصيات الهامة التي ذكرها التاريخ وكان لها الفضل الكبير في تقدم البشرية في شتى المجالات واكتسبت منهم العلوم الوفيرة في أسس نظام الكون وإدارة الحياة المدنية ونشر الفضيلة ونبذ العنف والرذيلة وسوء الخلق ومثل هؤلاء لم يكونوا بشرا عاديين بل فاقوا درجات البشر، فالبشرية مدينة لأولئك ما دام هناك قلب ينبض،
لقد كانت العاصمة اليونانية أثينا بؤرة إشعاع، أضاءت على الكون،بفضل فلاسفتها وحكمائها، أصحاب الإشرافات الفكرية والعرفانية، المستمدة من روح الإيمان العطر بتوحيد الخالق المعبود، خالق العلل والمعلولات، ومبدع العلوم الإلهيات، وموجد الموجدات على أفضل نظام وأدق مسلك وسلوكيات.
كانت ولادة أفلاطون في أثينا، لكن فكره تجاوز تلك المنطقة الجغرافية، ليعبر بفكره وفلسفته حدود العالم العلوي، الذي هو السماء وما تحويه، والعالم السفلي، والذي هو الأرض وما تأويه، فهو القائل عن نفسه: ” أنا لست مواطنا لأثينا، أو اليونان، أنا مواطن العالم”، وبفكره هذا وضع أسس مدينة، دولة مثالية، مبنية على الفضائل، التي هي الحقيقة والصدق، لا إمبراطورية، ولا قومية، مبنية على الرذيلة التي هي الكذب وإنكار الحقيقة، والمؤسسة على أسس مادية، وتلك المدينة هي ” جمهورية أفلاطون ” او بالأصح مملكة الرب المثلى على الأرض يسودها الخير والسلام والطمأنينة والسعادة والتي هي اعني السعادة المطلب الذي ينشده كل البشر؛ والتي طلبها الأكثرون في غير موضعها فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء صفر اليدين كسير القلب خائب الرجاء، لأن السعادة في الحقيقة شيء ينبع من داخل الإنسان يشعر به بين جوانبه فهو أمر معنوي لا يُقاس بالكم ، ولا يشترى بالدينار والدرهم ولا بكنوز الدنيا كلها ؛ بل هي صفاء نفس وطمأنينة قلب وراحة ضمير وانشراح صدر، وليست السعادة كما يظن الأكثرية في علوم الحياة الدنيا من التكنولوجيا والتطور والتحرر التي وصل إليها الغرب ناسيين أن السعادة في غير هذا وذاك .
وقد لخص الإمام الغزالي – رحمه الله – أحوال الناس حول مفهوم السعادة فقال : ” وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز، فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع، فهم يتعبون في الأسفار طوال الليل والنهار ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون، ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحاً وبخلاً عليها أن تنقص، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت؛ فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات؛ فيكون الجامع تعبه ووباله وللآكل لذته. ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أملا ذلك ولا يعتبرون.
وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسنة بالثناء والمدح بالتجمل والمروءة؛ فهؤلاء يتعبون في كسب المعاش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليها أبصار الناس حتى يقال إنه غني وإنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في نهارهم وليلهم في تعهد موقع نظر الناس.
وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير، فصرفوا همهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة لطلب الولايات وتقلد الأعمال السلطانية لينفذ أمرهم بها على طائفة من الناس، ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة، وأن ذلك غاية المطلب. وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس، فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم.
وفي الحقيقة السعادة الحقيقية تكمن في روح الإنسان اللطيفة الجوهرية الشفافة التي تحيا في الإيمان والرضا واليقين وحسن التوكل على الله، وساعتها سيكون الإنسان في أمن وفي أمان وفي سكينة واطمئنان، وليس في جسده الكثيف البالي، الذي تفنى معها سعادته بفناء اللذة الحسية من الأكل والشرب والجماع، التي غالب البشر متبعونها ومنهمكون بها ويقومون بتكرارها دون أن تتحقق سعادتهم بها، لأنه قيل: ” تارك اللذة البدنية يجد حلاوة في قلبه أكثر من فاعلها”، فكم يشعر الإنسان بسعادة عندما يؤدي واجبا اجتماعيا في فرح مثلا أو عزاء أو عيادة مريض ومواساته أو في أداء فرض ديني كصلاة أو نافلة أو فريضة ؟ وكم يشعر التائب من سعادة عندما يترك الدنيا وشهواتها، ويتجرد من نفسه الأمارة بالسوء، ليتحد بخالقه العزيز، واكبر عبرة لنا بالرغم من إغداق الدنيا وملذوذاتها على المجتمعات الغربية، نرى ظاهرة الانتحار عندهم في ازدياد، ولا تقتصر على أعمار معينة، فهناك أطفال صغار يقبلون على الانتحار، ونساء ورجال وشيوخ، والسبب لأنهم افرغوا نفوسهم من العنصر الروحي، وبالغوا في العنصر المادي، وبعد أن اتضح لهم أن السعادة ليست في البدن وشهواته، ولا في المال ومقاتنياته، وضعوا حدا لحياتهم .
فالله جلّ وعلا الله خلق كل الخلق من عنصرين أساسيين : بدن و روح، و لكل عنصر غذاؤه الخاص و العنصرين مرتبطين ببعضهما البعض لأنهما يكونان بذلك العنصر البشري، فالبدن غذاؤه- أكل- نوم – راحة – متعة و الروح غداؤها- ذكر – صلاة – توبة – طاعات ، وطبعا العقل هو الجوهر الثالث البسيط الذي يقف فوق الروح والبدن .
لقد مثل احد الحكماء من يبحث عن السعادة خارج نفسه، بضربه مثلا لحشرة صغيرة (صرصور)، له شاربان طويلان، يحب العسل، فوضعوا على أطراف شاربيه عسلا، فاشتم الرائحة الشهية، فبدأ بالركض ظنا منه انه يقترب من العسل، ناسيا انه هو نفسه من يحمل العسل، وهكذا الإنسان الغرور الجاهل، يبحث عن السعادة خارج جسده، من شهوات فانية من صورة جميلة مصنوعة من لحم ودم وشعر، مصيرها الزوال لتصبح جيفة مذرة ونتنة، ناسيا أنها تكمن في أعماق روحه الجوهرية الباقية السرمدية والتي إذا تدبرها الإنسان كما يجب سعد سعادة أبدية بروح محيية .
إن جمهورية أفلاطون تعتبر أثمن كنوز العالم، لأنها جاءت رسالة كاملة بحد ذاتها، حوت فلسفة نفسية، تعليمية، سياسية، إجتماعية ونظاما أدبيا، ولاهوتا روحيا، وفنونا إبداعية، وجمالا ما ورآء الطبيعة، تتغنى على سلّم موسيقي، تتنوّع نغاماته ونوتاته لتبعث في الروح سعادة مثالية، أبدية مرتكزة على الأخلاق والأداب، وخاضعة تحت سلطة الفكر العقلاني والعرفاني المتجرد من عبودية الشهوة والمادة، اللتان هما سبب تعاسة الإنسان في الماضي، الحاضر والمستقبل، وذلك لما يمثلان من الظلمة الضدية في النفس الإنسانية.
لقد وضع معلمنا أفلاطون حجر الأساس لسعادة المدينة، والتي تتلاقى مع سعادة المواطن، الذي هو باعتبار أفلاطون “الدولة الحقيقية، لأن الدولة تتماسك بنظام، وهذا النظام يجب أن يكون سليما تتعاون فيه جميع المؤسسات، لتخدم الإنسان وتقوده الى السعادة المثالية، لا السعادة السلبية، المتمثلة بالمادة، وكذلك الإنسان فهو مبني على نظام وعلى جميع الأعضاء أن تكون سليمة، لتخدم ذاك الإنسان، وتوصله إلى السعادة، لأن دولة أفلاطون جاءت بحكم العقل الخالص، المتجسم في طبقة الملوك والفلاسفة، والمبنية على المعرفة الكليّة للأشياء المتمثلة بالحكمة والشجاعة والعفة والعدالة،
فالحكمة فضيلة العقل وهي السلطة في الدولة ، والعفة فضيلة القوة الشهوية، وهي المجتمع الإنساني في الدولة، ويتوسطهما الشجاعة وهي فضيلة القوة الغضبية، وهي الشرطة العسكرية في الدولة للحفاظ على الأمن، فالقوة الغضبية تعين العقل على الشهوية، فيقاوم إغراء اللذة ومخافة الألم، وعندما تتحقق كل قوة من هذه القوّات الثّلاثة، العاقلة والغضبية والشهوية فضائلها التي هي الحكمة والشجاعة والعفة، تتحقق عندها في المرء الفضيلة الرابعة التي هي العدالة، والتي هي الحكم المثالي والنزيه في الدولة، دون تطرف، أو عنصرية، أو ميل إلى الظلم والإرهاب أوسياسة البطش والقمع والتعسّف، بل المساواة التّامة بين جميع فئات الشعب دون تمييز لدين أو لون، لأن أفلاطون يقول:”غايتنا من إقامة الدولة إسعاد الجميع،لا إسعاد طبقة”، فالفضيلة الرابعة التي هي العدالة هي باب السعادة، لان تربية أفلاطون تربية ممتعة، دون إكراه مما يميت معنى الحرية.
إن جمهورية أفلاطون جاءت على أساس الإكتفاء الذاتي من مخزون المعرفة والفضيلة، لأجل إسعاد الإنسان، لأن العالم وجد لأجل الإنسان، وعلى قول البعض: ” فإن أفلاطون شكّل مع نخبة من الفلاسفة، أمثال فيثاغوريس وسقراط وغيرهما، مأدبة للمختارين وسمفونية البعث والتجدد والخلود الى قيام الساعة”.
لذلك الدولة التي ارادها أفلاطون هي المبنية على الفضيلة والاخلاق الشريفة التي هي سبب لسعادة الإنسان، وبها تعاونه وانسجامه ورقيه نحو العالم الاسمى والأرفع، البعيد عن المادة التي هي سبب الشهوات والانحلال الخلقي وتدهور المباديء والاسس التي بني عليها العالم، وبتخليه عنها صار العالم اقرب الى الحيوان في عاداته وتقاليده التي هي مغروزة بالحيوان بالغريزة لا بالطبع والتطبع، لان الإنسان هو اشرف المخلوقات بحيث ميّزه الرب جل شأنه بالعقل أي الروح الانسانية التي هي من أمر الله، فصار الإنسان بفضل هذه الروح ناطقا حيا جوهريا قابلا لطاعة الله وقائما بفرائضة وسننه التي هي العدالة الحقيقية وخلاص الانفس من افكار السوء، وهي القوانين التي تدعو الانسان الى احسن نظام واكمل انسجام،
لذلك بتخلي العالم عن الفضيلة فيكون قد اتبع الرذيلة التي هي سبب لانزلاق العالم الى الهاوية والهلاك وشنه الحروب والفتك مسببا بذلك الدمار الشامل بسبب الاسلحة الكيمياوية والجرثومية والنووية، وأيضا الجوع والفقر والامراض والهيمنة والاستبداد والظلم والقهر مما سبّب تخلفا اجتماعيا عند كثير من الشعوب بحجة العولمة والرأسمالية والعلمانية والتي تعبّر عنها بسيكلوجية الانسان المقهور، لان تعاون العولمة والرأسمالية وبذل سيطرتهم على العالم سببا الدمار للانسانية، مما حرم كثيرا من شعوب العالم حريتهم وجعلهم عبيدا لاناس عبيد للجشع والطمع وحب المال وتكثيره ومضاعفته بالربا الفاحش والهيمنة والتسلط ، وهذا ما نراه جليا في جنوب افريقيا وما تشهده من مجاعة وقحط وحروب بين الفصائل بسبب نزاعات لا مبرر لها ولكن تقف الرأسمالية من وراءها بسبب الربح المادي من سلب الثروات الطبيعية لساحل العاج وغينيا والصومال وغيرها من المناطق التي نكبت بفعل الانسان المتغطرس، ثم كسب المال من بيع السلاح وتجربته على الشعوب الفقيرة والبسيطة دون رأفة،
ولذلك جاءت جمهورية أفلاطون لخلق عالما روحيا مثاليا خاليا من الطمع والجشع وحب المال والهيمنة والتسلط بل مبنيا على كرامة الانسان والتي هي الفضيلة التي هي سلما للوصول الى السعادة الحقيقية سعادة الجوهر الانساني بالمعنى الروحي اللطيف لا بالمعنى المادي الكثيف .
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.