مقالات

الإلحاد من منظور فلسفي

الإلحاد من منظور فلسفي

حوار مع الدكتور الطيب بوعزة

من الناحية الفلسفية ما هي اللحظة التاريخية التي يمكن أن نرى فيها بروزا واضحا للفكر الإلحادي  ( الإلحاد ) ؟

اللحظة الكبرى هي القرن الثامن عشر، فهذا القرن هو أهم لحظة شهدت حملة فكرية مناهضة للدين في الثقافة الأوربية. وهنا لدي ملاحظة فيما يخص تاريخ الفلسفة عامة، وهي أن ظهور الفكر الإلحادي  ( الإلحاد ) المناهض للدين كان في لحظات تراجع الفلسفة وانحطاطها لا لحظات تطورها وازدهارها.

فلحظة سقراط وأفلاطون وأرسطو -التي هي حسب غالبية المؤرخين والفلاسفة- لحظة سمو الوعي الفلسفي اليوناني، هي لحظة إيمان واعتقاد، وإذا أردنا أن نقف على لحظات استعداء الدين فيجب أن ننتقل إلى لحظة خريف الفلسفة الإغريقية، أقصد لحظة أبيقور صاحب الأسئلة الإلحادية الشهيرة المرتكزة على إشكالية وجود الشر في العالم.

كذلك الشأن فيما يخص تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة، فالقرن السابع عشر قرن عملاق في صيرورة تطور الفكر الفلسفي الأوربي، قرن ديكارت ومالبرانش وسبينوزا ولايبنز… وهم فلاسفة مؤمنون ومعتقدون، بل حتى سبينوزا الذي كان حلوليا فهو في نزوعه الفكري والفلسفي يتسم بنزوع اعتقادي ديني عميق.

وهنا أعود إلى ما قلته لك في البداية، وهو أن لحظة القرن الثامن عشر هي الأكثر استعداء للدين في فلسفة الغرب، وعند بحث المحصول الفلسفي لهذا القرن سنلاحظ أنه قرن قزم، وعطاؤه الفلسفي لا يستحق الذكر ؛ فإذا استثنيت إيمانويل كانط -وهو كما هو معلوم فيلسوف مؤمن بل شديد التدين رغم أن فلسفته ستوظف لاحقا لدعم النزعات التشكيكية و الإلحاد – لا تجد في هذا القرن أي قامة فلسفية تستحق التنويه، ففولتير وروسو ومونتيسكيو… هم أدباء متفلسفون لا فلاسفة بحصر المعنى. فلو عايرت كتبهم بمعيار الصناعة الفلسفية لن تجد فيها ما يستحق التنويه، والإسهام المعرفي لهؤلاء الأدباء المتفلسفة كان إسهاما في الفلسفة السياسية، خاصة في نظرية العقد الاجتماعي وفصل السلطات. أما الصناعة الفلسفية الثقيلة، كالمنطق ونظرية المعرفة والرؤى الأنطلوجية (رؤى الوجود) فلا نجد لديهم إلا رؤى مكررة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ذكرت إيمانويل كانط، دعني أقف معك عند هذا الفيلسوف، أليست الرؤية النقدية التي جاء بها في كتابه “نقد العقل الخالص” كانت دعامة للفكر المعادي للدين؟.

ما ذكرته صحيح، ففلسفة كانط سيتم توظيفها بشكل كبير في الفلسفة الإلحادية ( الإلحاد ) الناقدة للاعتقاد الديني لاحقا. ويقوم هذا على كتابه الذي تفضلت بذكره “نقد العقل الخالص”، حيث نجد نقدا إبستيملوجيا لقدرات العقل؛ فإذا كان ديكارت قد انطلق من جبر فييت فانتهى إلى التوسيع من حقل اشتغال العقل، فإن كانط سينطلق من نموذج علمي آخر هو فيزياء نيوتن الحذرة من الميتافيزيقا فخلص إلى الحد من مجال العقل، وتعيين الحقل الذي بإمكانه أن يشتغل فيه ويثمر نتائج صائبة تنأى عن النقائض الجدالية التي أبرزها في كتابه.

ولذا فبينما يؤشر العقل عند ديكارت على لحظة انطلاق وتوسع، فإنه عند كانط يؤشر على لحظة انكماش وتراجع. حيث سيميز كانط بين الظاهرة (الفينومين) والشيء في ذاته (النومين)، منتهيا إلى أن العقل البشري محصور في قدرته المعرفية على عالم الظاهر، ولا يمكن أن يبحث في مجال الشيء في ذاته (الميتافيزيقا).

هذه الفكرة ستستثمرها لاحقا الفلسفات الناقدة للدين، حيث سترتكز على كانط، وتوظفه على نحو مغاير لمقصوده هو نفسه؛ إذ يجب ألا ننسى أن كانط في القسم الخاص من كتابه “نقد العقل الخالص” والذي عنونه بـ”الجدل المتعالي (الترنسندنتالي)” نجده يقف متسائلا عن سبب نزوع العقل البشري إلى تجاوز عالم الحس والتجربة، مذكرا بأفلاطون الذي وقف كثيرا عند نزوع العقل إلى التدين والتفكير فيما وراء العالم الحسي.

فكانط في هذا الفصل يعترف بأن هذه المجاوزة ذات حافز طبيعي يوجد داخل كينونة العقل، وليست مجرد افتعال أو سلوك من الترف الذهني، كما أنه إذا كان كانط في كتابه “نقد العقل الخالص” يرى أن العقل البشري عاجز عن إنتاج حقيقة فيما وراء عالم الحس، منتهيا إلى الاستحالة العقلية لتأسيس معرفي للميتافيزيقا، فإنه سيعود في كتابه “نقد العقل العملي” إلى تأسيس الدين والميتافيزيقا على أساس أخلاقي لا أساس معرفي.

لكن رغم ذلك فإن الفكر الناقد للدين سيستثمر نصف كانط، غافلا عن فلسفته في نسقيتها وشموليتها، أي غافلا عن النصف الآخر من فلسفته.

من بين هذه الفلسفات المعادية للدين، والتي استثمرت كانط فلسفة أوجست كونت، كيف تقيم هذا التحول نحو الوضعية في الفكر الفلسفي الغربي؟ وما هي حقيقة رؤية كونت للمسألة الدينية؟.

معالجة المسألة الدينية في فكر كونت تقتضي الابتداء أولا برؤيته إلى العلم ودلالته، إذ إن معالجة إشكالية الدين ترتكز عنده على رؤيته لطبيعة المنهج والفكر العلميين. ومفهوم العلم عند أوجست كونت يندرج ضمن تصور معرفي عام، يتمثل في قراءته لمجمل التطور الفكري البشري، حيث يحتل العلم عنده موقع التتويج في السياق العام لهذا التطور، ويتحدد باعتباره مؤشرا على نضج البشرية، واكتمال نموها العقلي، وذلك بفعل تطورها وانتقالها من المرحلة اللاهوتية، حيث كان التفكير يفسر ظواهر الطبيعة بعوامل ما ورائية مفارقة للمعطى الطبيعي، إلى المرحلة الميتافيزيقية، حيث صار التفكير في لحظة مراهقته يفسر ظواهر الطبيعة تفسيرا ماهويا فلسفيا، حيث يدرس العلاقات السببية الرابطة بين الظواهر دراسة علمية، تخلص به إلى بناء قوانين منسوجة في لغة علمية.

فالسؤال الذي يسود اللحظة الوضعية حسب كونت هو سؤال الكيف، لا سؤال “لماذا”. وهنا لا بد من التذكير أن الوعي الأوربي في لحظة أوجست كونت (القرن التاسع عشر) كان محكوما بهاجس تجاوز نمطي الفكر الديني والفلسفي على حد سواء، وذلك لإحلال النموذج العلمي التجريبي، وجعله مهيمنا على جميع حقول المعرفة.

ولم يتحقق حلم أوجست كونت لأن موقفه يناقض حقيقة الكائن الإنساني وفطرته الدينية. فمن الملاحظات التي استوقفت علماء الأنثربولوجيا وكذا دارسي تاريخ الأديان هي أن الاعتقاد الديني أمر لصيق بالكائن الإنساني. وهذا ما تجسده المقولة الشهيرة المنسوبة إلى المؤرخ الإغريقي بلوتارك: “لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور.. ومدن بلا مدارس.. ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد”. فأمام استقراء واقع الحضارات وأنساقها الثقافية لوحظ هذا الحضور الدائم للتدين بطقسه ومفاهيمه، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل: لماذا تدين الإنسان؟ ما سبب هذا التلازم بين وجود الإنسان والتدين؟ لماذا لم يلجأ الى الإلحاد ؟. لذا أقول إن تعليل ظاهرة الاعتقاد الديني عند كونت تعليل أراه قاصرا، لأنه جعل -في بعض كتاباته- وجود هذا الاعتقاد مشروطا بمرحلة، بينما هو مسألة محورية في التفكير والوجدان الإنساني.

فالكائن البشري كائن متسائل، يستفهم عن سبب وجوده وكينونته وسبب وجود هذا الكون من حوله. وهو استفهام فطري نجده لصيقا بالإنسان كيفما كان مستواه المعرفي.

فأسئلة أصل الوجود الكبرى مثلما يطرحها الفيلسوف يطرحها الطفل الصغير أيضا، الأمر الذي يؤكد أنها لصيقة بالطبيعة الإنسانية وليست مشروطة بلحظة تطور معرفي حتى يمكن تخطيها وتجاوزها.

إنها ليست مرحلة من تطور تاريخي للوعي البشري بل هي أبعاد ثاوية في الوعي الإنساني ومحددة لطبيعته. فالنزوع الديني ليس ناتجا عن نقص في فهم الكون حتى يتم تخطيه بتحصيل الفهم العلمي الوضعي، بل إن السؤال الديني هو أكبر وأوسع وأعمق من أن يجاب من قبل الحقل المعرفي العلمي.

لمتابعة باقى الحوار يرجى الدخول على هذا الرابط

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.