مقالات

التعصب والبعد عن الحقيقة

كتب  أحمد الأسمر

من المهم قبل الكلام في التعصب وأثاره أن نذكر تعريف التفكير الموضوعي كما عرفه د.عبد الكريم بكار: فهو مجموعة الأساليب و الخطوات و الأدوات التي تمكننا من الوقوف على الحقيقة والتعامل معها على ما هي عليه بعيدا عن الذاتية والمؤثرات الخارجية. وعلى هذا يكون هناك عناصر تبني التفكير الموضوعي وعناصر تهدمه، ومن العناصر التي تؤثر سلبا على التفكير الموضوعي هو التعصب.

ويمكن القول عن التعصب أنه: اعتقاد المتعصب على أنه يملك الحقيقة التي تدفعه إلى العمل لها بيقين أعمى بغض النظر عن مدى صحتها، وتجعله يدافع عنها بكل قوة و تجعله يرى المخالف له أنه على باطل. و صور التعصب تتعدد كالتعصب الديني، والعرقي، والوطني والاجتماعي، وغيرها.
والتعصب له خطورته على المستوى الفكري، والفردي والاجتماعي ومن بعض تلك الصور السلبية التي يتميز بها المتعصب على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
  •  – سطحية التفكير و جمود الفكر.
  •  – التوسل بالقوة و العنف لإثبات ما يعتقده المتعصب.
  •  – التمسك بالباطل وظلم الحقيقة لدى المخالفين.
  • –  نبذ الحجة والتدليل العلمي والموضوعي.
  • –  كراهية ومعاداة كل مخالف.
وطبعا، لكل ظاهرة مسببات، ومن بعض ما يسبب التعصب ما يلي:
  • –  الشعور بالنقص الذاتي، مما يجعله يتعصب لأي شيء قد يجد فيه ما يكمل نقصه، كالجاهل الذي يتعصب لشيخ ما مثلا.
  • –  الجهل وقلة المعلومات، فكلما قلت المعلومات، أدى ذلك إلى إجبار الشخص بأن يتمسك أكثر بالقليل الذي لديه، حتى يصل إلى درجة التعصب، ففقدان الثقة بما عنده، سيؤدي إلى شعوره بالضياع وعدم القيمة.
  • –  ضياع الهدف أو القضية التي يعيش لها، مما يجعله يتعصب لأي شيء قد يبدو بظاهره هدف/قضية.
  • –  طريقة التنشئة الاجتماعية، و العادات والمعتقدات التي ينشأ عليها مما لا دخل له فيها، فالنشوء ببيئة واحدة وغير منفتحة على غيرها، تكون ما يعرف بالنظرة الأحادية أو العقل الأحادي فيرى الأمور من منظور واحد كما نشأ عليه.
  • –  تلبية المصالح الشخصية من مال أو جاه أو غيره و ذلك من خلال الاستفادة ممن نتعصب له، فنُسِّوق له وندافع عنه، سواء أكان شخصا أم حزبا أو دولة، وذلك للحصول على المصالح الشخصية.
وهذا كله يؤدي إلى نتائج سلبية، نذكر بعضا منها:
  •  – طغيان العاطفة على العقل حتى تكون هي المرجعية.
  • –  استبدال الحوار العلمي بالجدل العقيم للدفاع عما نتعصب له.
  • –  التشدد و التنطع و التمهيد لإيديولوجيات جديدة تستغل تعصب العامة من الناس لتتقوى بهم.
  •  – يعزز ظاهرة سرعة إطلاق الأحكام المطلقة على المخالفين أو القضايا فيضيع الحق و يفقد قيمته.
  •  – يعزز تقديس الرموز والموروث القديم وإن كانوا على باطل.
ولعل الاقتراحات التالية تكون مفيدة في علاج التعصب:
  • –  التوعية بالتفكير الموضوعي و التعريف بمكوناته البناءة و فوائده على الفرد و المجتمع و التوعية بأضرار التعصب كذلك سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
  •  – القراءة في العلوم المختلفة و الإطلاع على الثقافات المتنوعة، فهذا سيعمل على خلق ملكة فكرية متحررة إلى حد كبير لتقبل الأفكار و التأني قبل الحكم عليها، فيخلق وعيا معرفيا.
  •  – تمرين العقل على المرونة الفكرية و على منهج الاستدلال سواء من خلال المناهج التعليمية أو الدورات التنموية.
  • –  ضمان الحرية العلمية للأفراد و حرية التعبير عن أفكارهم و هذا مما يعين على خلق فضاء تحاوري عريض، فيزيد من الانفتاح على الأفكار و تمرين الفكر فيها مما يساعد على تقليل التعصب.
  • –  الاستعانة برموز صنَّاع الثقافة لنشر الوعي لدى العامة، فالعامة تسمع من الرموز.
وهناك طبعا طرق لعلاج التعصب أكثر تعقيدا وأكبر جدوى، ولكن لا مكان لذكرها هنا. ولعلنا نذكر بعض الأمثلة التاريخية القديمة للتعصب، و لعلَّ من أبرزها في نظري: التعصب لآل البيت حتى أخرج المتعصبون آل البيت من البشرية إلى الإلهية، التعصب للدول، مثل تعصب بعض العلماء للدولة الأموية مثلا أو العباسية، التعصب للمذاهب الفقهية، فكما يُذكر في كتب التاريخ، و في حدود القرن السابع الهجري، كان المذهب الشافعي مثلا، لا يرى بجواز النكاح ممن هو على المذهب الحنبلي، و غيرها من الصور.

وأما في عصرنا الحالي فأبرزها بنظري: التعصب للأحزاب بإختلافها، والتعصب للمدارس الفكرية المختلفة، فلا يكاد يعترف أحد بالآخر نهائيا، والتعصب الوطني، حتى بات الوطن فوق الأخلاق والقيم، والتعصب للتخصص العلمي للفرد، فكل فرد يدعي أن الحقيقة والحل لكل المشاكل هو من خلال تطبيق ما ينص عليه تخصصه، فالاقتصادي يرى أن الاقتصاد هو الحل لأزماتنا، والسياسي كذلك يراها من خلال تخصصه، وعالم الطب النفسي، وغيرهم.

المقال منقول من هذا الرابط

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.