مقالات

المُثقف “الجامعي” بين نموذج سقراط ونموذج أفلاطون

اختار سقراط أن يخرج إلى الشمس لمُوَاجَهَة الواقع. فهو لم يكتُب، ولم يترك أيَّ أثَرٍ مكتوب، لأنَّه انْشَغَلَ بِمُحاوَرَة الناس؛ بالحديث إليهم، بدلَ الاكتفاء بإلقاء “الدروس” أو “المحاضرات” في فضاء “الأكاديمية”، التي اختارَها أفلاطون، كمكان لِـ”دُرُوسـ”ـهِ.

مفهوم الأكاديمية هنا، هو غير المفهوم الذي نعرفه اليوم، رغم أنَّ هذا المفهوم القديم، بَقِيَ هو الإطار المرجعيّ للمفهوم الذي نستعمله، في سياق حديثنا عن التعليم الجامعي، بشكل خاص.

أفلاطون الذي كَتَبَ، وكان ناطقاً باسم سقراط، أو هو من نَقَلَ سقراط من اللِّسان إلى الكتابة، كان شديد الكُرْه للكتابة، واعتبرها لَعْنَةً، ربّما لأنه كان يُفَكِّر في سقراط، ويَضَعُه نُصْبَ عينيه. اكتفى أفلاطون، رغم ذلك بالكتابة، كما اكتفى بالأكاديمية، كفضاء للمعرفة، ولم يجرؤ على الخروج إلى الشارع مثلما فعل سقراط.

هل يمكن، وفق هذا المنظور، أن نعتبر محاكمة سقراط، في ما خَفِيَ منها، ذات صلة بهذا ” الخروج ” الذي كان، رغم وجوده في مجتمع ديمقراطيّ، نوعاً من الحّدِّ الذي تجاوزه سقراط، أو خطّاً أحمر، لم يكن يَتَّسِع له صدر بعض الذين لم تكن الديمقراطية بالنسبة لهم، وهُم خصوم الديمقراطية، عبـر التاريخ، الذين يقبلونها علـى مضَضٍ، اختياراً مبنيّاً عن قناعاتٍ، أو تربيةً تدخل في سلوك هؤلاء، وجزءاً من إيمانهم بها، كشرطِ حياةٍ.

[2]

سيذهبُ دي ليبيرا، كما يُورِدُهُ الجابري، في كتابه “المثقفون في الحضارة العربية” في حديثه عن “التفكير في العصر الوسيط”، إلى أنَّ اختراق أسوار الجامعات، وتحرُّر “الفلاسفة” من مهنة الأستاذية [الأفلاطونية الأكاديمية]، سيكون هو “العلامة التي تشير إلى اللحظة الحقيقية لميلاد المثقفين”، أي بالخروج إلى الشمس من خلال تعميم المعرفة، [نموذج سقراط] بالوصول إلى “تعليم قادر أن يجلب إليه جمهوراً من المستمعين من خارج الجامعة” [جمهور سقراط]. ما يعني، أنَّ الانتقال من وضع “الأكاديمي “، أو الجامعي المُنْغَلِق داخل فضاء الأكاديمية أو الجامعة، المكتفي بما يلقيه من دروس، أو ما يُلقِّنُه من تقنيات، إلى وضع “المثقف” يقتضـي “تحرُّر الفلسفة من المهنة”، حيث لا يوجد سوى الدرس، ولا شيء غير الدرس. أليس التدريس “مهنة” مثل جميع المهن، حين يصير تَلْقِيناً، بالمعنى الأفلاطوني، وليس إنصاتاً وحواراً أو استنطاقاً بالمعنى السقراطي الذي كان يَتِمُّ تحت الشمس…

اضغط على الاعلان لو أعجبك

[3]

هذا الوعـي المُبَكِّـر الذي هَجَسَ به دي ليبيـرا، فـي الفصل بين معنـى “المثقف”، ومعنـى المُتَعَلِّم، كان أحد صور تمييز “صُوَر المثقف”، كما ستؤول إليه اليوم. ولعلَّ في ما أكَّد عليه محمد عابد الجابري، في كتابه “المسألة الثقافية”، مِنْ زَوَاجٍ بين “العِلم” و”الثقافة”، كشـرط للتنمية، ما يشير إلـى المسافة التـي تفصل فعـلاً بين ممارسة “العلم ” وبين “الثقافة” كشرطٍ للمعرفة، أو للخروج بالمجتمع من مجتمع “المدرسة” إلى مجتمع المعرفة الذي لن يتحقّق إلاَّ بـ”العلم حين يصير ثقافةً” أو بالثقافة حين يُؤَسِّسُها العلم والإبداع. ما يجري اليوم، في فضاء الجامعة، ليس في المغرب فقط، بل في مجموع الدول العربية، وما أصبح يرتفع من أصواتٍ لـ”مثقفين جامعيين” ممن يُدَرِّسُون في الجامعات، ومن مختصين في هذا الشأن، كافٍ، لوضع الجامعة في عنق الزجاجة، أو في نفقٍ مُغْلَقٍ مُعْتِمٍ، السَّائر فيه لن يكون أفضل من المُنْبَتِّ، الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

[4]

إذا كان للدول نصيبُ الأسد، في هذا المآل الذي بلغه التعليم في العالم العربي، بجميع مستوياته وأسلاكه، فلا ينبغي إخفاء دور “المهنيين” الذين اكتفوا بنموذج أفلاطون، ونسوْا نموذج سقراط الذي ينطبق عليه المثل العربي الذي تَعَلَّمْناه دون أن ننتبه لمعناه، هو أنَّ “العلم نور”، وهو هنا، تلك الشمس التي اختار سقراط، أن يَبُثَّ المعرفةَ من “نُورِ”ـهَا. الجامعيون الذين، هم نموذج سقراط، هم أولئك الذين لم تكن الصِّفَة الأكاديمية هي كل ما طَمَحُوا إليه، بل اعتَصَموا بحبل المعرفة، وسَخَّروا حياتهم للبحث، ولتأمُّل ومُواكبة ما يجري من معارف. لم يكن ماضي المعرفة هو ما يشغلُهُم، فهم خاضوا المعرفة بمعناها الثقافي البعيد الذي لا يستكين لزمن، أو لمكان دون آخر. حقول اشتغالهم رغم تَخَصُّصاتهم كانت واسعة، وهي بقدر ما كانت تتَّسع كانت تضيق، بمعنى أنها تخدم سياق البحث الذي كان يحتاج للتاريخ، كما يحتاج للفلسفة، كما يحتاج لتاريخ الفكر، ولآليات القراءة والتأويل، التي أصبحت من ضرورات المعرفة بالنصوص وقراءتها. هؤلاء هم الذين استطاعوا أن يطرحوا مشاريع فكرية ونقدية وإبداعية، خرجت بـ “العقل” و”الخيال” العربيين، من نَفَقِ الاجتـرار والتكرار، وما كان من قبيل المُسَلَّمات، إلـى أفق المعرفة التي أصبح معها الوعي النقديّ أحد شروط الحداثة، وأحد الأسس التـي يقوم عليها “مجتمع المعرفة”، وفق ما تقتضيه اليوم، من انخراط، في التَّقانَة، أو في عصر المعلوميات، وما تقتضيه من مراجعة دائمة للأفكار، ولِنُظُم المعرفة التي كانت إلى وقت قريب هي ما يحكم رؤيتنا للعالم.

[5]

هؤلاء، هم نموذج سقراط، بالمعنى الذي يجعلُهُم، في الجامعة وخارجها، أو هُمُ الجامعة وهي تتأسَّس على العِلم حين تسنده الثقافة بمعناها الخلاَّق. أما مَنْ رأينا فيهم أنصار أفلاطون، فهؤلاء كانوا دائماً مُقَيَّدين بأسوار أو بـ “سلاسل ” الجامعة، وما يجري خارج الجامعة هو مجرد ظلال أو انعكاس لِمَا يجري داخلها، أو هكذا هم يَتَوَهَّمُون المعرفة. لا يتعلَّق الأمر هنا بالمُشْتَغِلين في حقل المعرفة الإنسانية، بل حتى المشتغلين في مجالات العلوم التطبيقية أو العلوم الصِّرفة، هؤلاء الذين، ربما، هم أكثر عرضةً لوهم الظِّلال، خصوصاً حين تبدو أشكال التَّطرُّف الديني، أكثر التصاقاً بهم، مما لَدَى المشتغلين في العلوم الإنسانية، وهذا ما أصبح يؤكده الواقع بشكل ملموس.

[6]

إذا أردتُ أن أقف عند مشكل اللغة، مثلاً، وهو من المشاكل التي أصبحت تُطْرَح اليوم بإلحاحٍ، ولِمَا أصبح يطال المعرفة من تشويه في الجامعة، دون أن أذهب إلى المدرسة، فالعاميةُ أصبحت هي اللسان السائد، في إلقاء الدروس والمحاضرات، وفي الندوات التي تجري خارج الجامعة، وحتى في تصريحات وخطابات رؤساء الدول والوزراء، وفي القنوات الفضائية، وهذا التعميم للعاميات العربية، وليس لعامية واحدة، حين يصبح هو لسان الجامعيين الذين يُدَرِّسُون العلوم الإنسانية، خصوصاً في شُعب الأدب واللسانيات، والفلسفة وعلم الاجتماع وغيرها، فهذا فيه تبرير لما يجري على ألسنة الحاكمين، ومَنْ يُفْتَرَضُ فيهم أن يكونوا قدوةً بالنسبة للمواطن.هذا ما اسْتَشْعَرَه بعض المثقفين الجامعيين، من أحفاد سقراط، حين رأَوْا أن هذا التآكُل الذي يطالُ اللغة، هو تآكُل شامل، كون ما يسري على اللغة يسري على كل أصعدة المعرفة، ويضرب “الأمّة” في مَقْتَل. يقول حسن حنفي، وهو يقدم نموذج مصر، في هذا لإطار “فأشدّ المخاطر على مصر بسيادة العامية عليها في الحياة اليومية العامة، بل، أيضاً، في العلم وحياة النخبة”، وهي هنا، ليست سوى النخبة المثقفة.

ليست اللغة، مُجَرَّد أداة عمل، فهي من “أخطر النِّعَم” بتعبير هايدغر. فحين نُصْبِحُ عاجزين عن استعمال العربية كلغة للحوار والتَّبليغ، ليس بالمعنى الدَّعَوِيّ الساذج، فالمعرفة التي ننقُلُها للآخرين تصير هي الأخرى، عُرْضَة للالتباس، كون الالتباس يبدأ من اللِّسان، حين يكون هذا اللِّسَان فاقدا لَلَوْنِهِ، أو هو هَذْرٌ بلا معنى.

التنَّازُل عن اللُّغَة، تَنَازُلٌ عن اليَدِ والوَجْهِ واللِّسان، وهو ما اعْتَبَرَه الشاعر العربي “غُرْبَةً”، لأنَّ في معنى الغُربة، معنى الوُجود في غيرِ انْتِماءٍ، أي في العدم، أو ما يُشْبِه العَدَمَ.

[7]

لم يكن سقراط، مجرَّد شخصٍ أُعْدِمَ لجُرأته، فهو كان صاحب رؤية و منهج، وكان له موقف عبَّر عنه في “المُحاكمة” التي نَقَلَ أفلاطون أطوارها. حتى عندما عرض تلامذة سقراط عليه أن يهرب، وكان بإمكانه أن يَفْعَل ذلك بنجاح، فهو رفض الهروب، وقرَّر مواجهة خُصُومه، لأنه كان مقتنعاً بِحُجَّته. أذكُرُ في هذا السياق، كيف أنَّ بعض الصُّوفية المعروفين، حين أُعْدِمَ الحلاَّج، اعتبروه مسؤولاً عن مصيره هذا، لأنَّه لم يَصُن لِسَانَهُ، وباحَ بالسِّر، أي نقَلَه من “الخاصَّة” أي من “النُّخْبَة ” إلى “العامَّة”. وهذا التعميم الذي كان ما أسباب إعدام الحلاَّج، هو ما كان سقراط عاشه من قبل، وقَبِلَ به، رغم ما فيه من حَيْفٍ وتضليل للعدالة.

تعميم المعرفة النقدية، والفكر الحُرّ، والقدرة على معرفة ” السِّرّ “، كانت من بين المهام التي نذر سقراط نفسه للقيام بها، وهي من المهام التي لا يمكن للمعرفة أن تَكونَ إلاَّ بِوَعْيِها، أو بممارستها كسلوك، و كمنهج، في القراءة والتَّعَلُّم. فالنتاج الفكري هو دائماً “معارضة” و”انشقاق تجاه التقليد وتجاه القَوْنَنَة والسلطة”، ما يعني أنَّ المثقف الحرّ، أو صاحب هذا النوع من الوعي النقدي الحرّ، هو من يتخلَّى عن “الامتثالية الاجتماعية”، كما يقول لوكليرك. وهو ما لم تعد الجامعة، في نموذجها الأفلاطوني، تقوم به اليوم، لأنَّها تَخَلَّت عن سقراط، أو اختارت أن تكتفـي بدور “الناطق باسم ..” الآخرين، أو أن تكتفِيَ بالفكر الامتثالي دون غيره.

[8]

” الحياةُ ها ـ هُنا” فـي تَعْبيرٍ لماكس فيبر Weber، هي ما يعنيه مفهـوم الجامعة اليـوم، أي الحياة بيـن الناس، أو الحياة فـي الشمس. فالجامعة، أو “المثقف” المُنْتَسِب إليها، المكتفي بالحياة بين أسوارها، فهو يعيش الحياة هُناك، ولا كلمةَ له فيما يجري على كل الأصعدة.

كتب صلاح بو سريف

نقلا عن موقع الأوان

لمزيد من المقالات برجاء زيارة هذا الرابط

لا تنس الاشتراك بقناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب