مقالات

بين الواجب والممكن

بين الواجب والممكن

هل تصورت يومًا عزيزى القارئ أنك لم تكن فكنت؟!

أعلم أن بديهية وجودك الآن قد تجعل نفسك إن كان فيها داء الكبر لا تتقبل هذا السؤال من الأساس ولكنها لن تستطيع أيضًا أن تغير من الحقيقة شيئا؛ فوجودك هذا الذى أصبح اليوم بديهيًا بالنسبة لك لم يكن لك فى ذاتك فأنت مهما بلغت فى وجودك كنت مسبوقًا بعدم، وكان وجودك حينها متوقفًا على قوة أخرى هى التى تدخلت لتخرجك من إطار الممكنات إلى حيز الموجودات.. ذلك الأمر لا ينطبق عليك وحدك فهو ينطبق على جنسك بالكامل بل أنه ينطبق على كل الموجودات فجميع الموجودات التى طرأت على الكون سبقها عدم ولم يكن لها فى ذاتها الوجود أو العدم بل احتاجت إلى قوة أخرى توقف عليها وجودها وعدمها تلك القوة التى يجب أن يكون وجودها لذاتها فلم يسبقها عدم ولا تحتاج إلى مرجح أو سبب لوجودها فهى قوة واجبة الوجود وإلا لما كان هناك أى موجود فهى أصل الوجود ذاته.

البعض يقول أنه لا وجود لواجب الوجود وأن وجودك متوقف على شىء آخر ليس له الوجود فى ذاته.. ذلك الشىء الذى ما أن يكون سببا فى وجودك حتى يتوقف وجوده على شىء آخر ليس له أيضًا الوجود فى ذاته وهكذا إلى مالا نهاية، هؤلاء المساكين يتناسون أنهم بذلك يكونوا قد وقعوا فى فخ التسلسل، والتسلسل من الأساس باطل فهو يرجح الشىء بلا مرجح وهو أمر مستحيل فمثلاُ فى سباق الركض إذا قلنا للمتسابق الأول لا تركض قبل أن يركض المتسابق الثانى وقلنا للثانى لا تركض قبل الثالث… وهكذا فإننا فى النهاية سنحصل على لا شىء فلن يركض أحد فى هذا السباق ولكن إن قُلنا للمتسابق الثالث مثلاً إن ركضك متوقف عليك وإنك لا تحتاج إلى أن تنتظر أحدا.. حينها فقط سيبدأ السباق فسيتحرك ويتحرك بعده المتسابق الثانى فالأول..وهكذا ومن أجل ذلك كان وجود الواجب حتميا فإن وجوده لذاته هو أزلى ولا يحتاج فى وجوده إلى موجد غيره وإلا صار ممكنًا ووجوده هو الذى منح بإراداته ومشيئته الوجود للممكنات.

وبجانب كونه أزلى فهو يستحيل أن يكون مركبًا فهو ليس مكونا من عين ليرى وفم ليتكلم ووجه ليكون له هيئة أو أى شىء من هذه الأشياء التى تستحيل أن تكون للواجب فإنه إن كان مركبًا صار وجوده متوقفا على أجزائه وبذلك يكون وجوده جملةً متوقفا على وجود غيره وهى أجزائه.. فالواجب بسيط وليس مركبا ولا يحتاج لتلك الأشياء التى نحتاجها نحن فى عالم المادة ولكن إن كان البعض قد فهم الواجب كمركب فهذا لأننا بالأساس مركبون ولذلك يستعصى على العوام تعيين أى شىء إلا بمقدارهم المادي فهم لا يعرفون الرؤية إلا من خلال العين ولا يسمعون إلا من خلال الأذن فهم لا يتخيلون أبدا أن يسمعوا ويرَوْ دون عين أو أذن فهو بالنسبة لهم شىء أقرب للجنون ولكن استطاع الفلاسفة ان يثبتوا بساطة الواجب وعدم تركيبه فقط. هذا ما استطاعوا أن يثبتوه دون الخوض في ماهيته أو أى من هذه الأشياء المتعلقة به وهذا ليس قصورا منهم ولكن طبيعة المركب تستحيل أن تدرك البسيط إداركًا تامًا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

محمد عبد الواحد

مسؤول موارد بشرية وشئون إدارية بجريدة البديل
باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة