
أما «أسباسيا» (حوالي 460 – 400 قبل الميلاد) فيذكر بعض المؤرخين أنها كانت من نساء الهيتايرا Hetaira، وهو اسم أطلق على طائفة من النساء كُن يعملن كرفيقات محترفات لعِلية القوم من الرجال في المجتمع الأثيني القديم، وكُن يتمتعن بالجمال والأنوثة والرشاقة، وعلى درجة عالية من المهارة في فنون الحب واللباقة والبلاغة والموسيقى، وكان أغلبهن من أماكن مختلفة بعيدة عن اليونان.
وعلى الرغم من أن معظمهن انخرطن في علاقات جنسية مع رُعاتهن، إلا أنهن لم يكن فتيات دعارة. ولم تكن «أسباسيا» هيتايرا نموذجية، بل وتُنفي بعض المصادر كونها أصلًا من الهيتايرا، لكنها مع ذلك كانت ناجحة بشكلٍ استثنائي نظرًا لما تلقته من تعليم في الفنون الأدبية والفلسفة والبلاغة والموسيقى،
بل وفي فنون الحب والإشباع الجنسي، وهو ما أتاح لها التحدث مع الرجال بطريقة لا تستطيع الزوجات التقليديات التحدث بها (بسبب محدودية فرص الحصول على التعليم الرسمي التي تُمنح للفتيات والنساء من أسر المواطنين الأثينييين في ذلك الوقت) لذا كانت تُوصف أحيانًا من مُهاجميها بالمومس أو الداعرة!
لقاء سقراط مع أسباسيا
تنحدر «أسباسيا» من عائلة أثينية عالية النسب استقرت في مدينة «ميليتوس» Miletus اليونانية في «إيونيا» Ionia (آسيا الصغرى)، وعندما هاجرت العائلة إلى أثينا نحو 450 قبل الميلاد كانت «أسباسيا» تبلغ من العمر عشرين عامًا تقريبًا.
في ذلك الوقت كان «سقراط» أيضًا في العشرين من عمره. وبعد بضع سنوات، أصبحت «أسباسيا» عشيقة للسياسي ورجل الدولة الأكثر بروزًا في أثينا القديمة: «بيريكليس»، ورغم أن عمره كان ضعف عمرها، إلا أن ثقافتها وانفتاحها وقوة شخصيتها وإيمانها بقدرة المرأة على التعليم والعطاء العقلي والتأثير على المجتمع،
بالإضافة إلى كونها المرأة الأكثر ذكاءً، والأكثر جمالًا، والأكثر شهرة في اليونان القديمة، كل ذلك أتاح لها أن تكون عنصرًا مؤثرًا أساسيًا في السياسة والفلسفة الأثينية برمتها.
لكن تلميذ «أرسطو»: «كليرشوس السولي» Clearchus of Soli، يسجل أيضًا أنها قبل أن تصبح عشيقة لبريكليس، كانت على صلة قوية بسقراط، وهو ما يتوافق مع بعض الأدلة الأخرى التي تؤكد أن «سقراط» كان جزءًا من دائرة «بريكليس» للمفكرين والفنانين والسياسين عندما كان شابًا، ومن المؤكد أنه قد تعرَّف على «أسباسيا» من خلال تلك الدائرة، بل ووقع أيضًا في حبها!
عُرفت «أسباسيا» بكونها مُعلمة خبيرة في البلاغة، ومستشارة في العلاقات الزوجية، أو بالأحرى في الحب، تمامًا كما تم تصوير «ديوتيما» في الندوة.
سُلم الحب
يروي «سقراط»، وهو يُلقي خطابًا في مدح «إيروس»، تعاليم الكاهنة «ديوتيما» حول ما أسماه «سُلم الحب» Ladder of love، حيث يمثل «السلم» درجات صعود المُحب من أدني درجات الحب، وهي درجة الانجذاب الجسدي النوعي الخالص، إلى أعلى درجاته وهي درجة التأمل في صورة الجمال في حد ذاته، عبر درجات وسيطة فصَّلتها «ديوتيما» على النحو التالي:
- جسمٌ جميلٌ بعينه: وهذه هي درجة السُلم الأولى، وفيها تتم استثارة عاطفة الحب، الذي هو بحكم تعريفه رغبة في شيء لا نملكه، من خلال مشهد الجمال الفردي، حيث ينجذب المرء إلى سماتٍ جسدية معينة مفقودة من جسده، فالأجسام المختلفة تعني أفرادًا مختلفين.
- كل الأجسام الجميلة: وفقًا للعقيدة الأفلاطونية السائدة، تشترك جميع الأجسام الجميلة في شيء مشترك، وهو أمر يتعرف عليه المحبوب في النهاية. وعندما يدرك ذلك، يتخطى شغفه بأي جسم معين، حيث يرى الجمال في كل الأجسام ويتعلم حب الاختلافات.
- أرواح جميلة: إذا ما تجاوز المُحب المرحلة الثانية، يستطيع أن يُدرك أن الجمال الروحي والأخلاقي أهم بكثير من الجمال الجسدي، ومن ثم يتوق إلى التفاعل مع الشخصيات النبيلة التي ستساعده على أن يصبح شخصًا أفضل، ويغدو مُحبًا للعقول الجميلة.
- قوانين ومؤسسات جميلة: وهذه من صنع الناس الطيبين (النفوس الجميلة)، وهي بمثابة الشروط التي تُعزز حب الجمال الأخلاقي.
- جمال المعرفة: يُوجه المُحب في هذه المرحلة انتباهه إلى كافة أنواع المعرفة، وفي النهاية إلى الفهم الفلسفي بصفة خاصة (على الرغم من عدم ذكر سبب هذا التحول، فمن المفترض أن السبب في ذلك هو أن الحكمة الفلسفية هي التي تدعم القوانين والمؤسسات الجيدة).
- الجمال في ذاته: وتلك هي الدرجة الأعلى من سُلم الحب، حيث يُحب المرء جمال الحب في صورته الخالصة، ويُوصف هذا النوع من الحُب بأنه حبٌ أبدي؛ لا يأتي ولا يذهب، ولا يُزهر ولا يذبل. إنه جوهر الجمال، يحيا بذاته وصورته في وحدة أبدية. ويفهم المُحب الذي بلغ هذه الدرجة شكل الجمال من خلال نوعٍ من الرؤية المُباشرة أو الوحي، وليس من خلال الكلمات أو بالطريقة التي نعرف بها أنماطًا أخرى من المعرفة العادية.
يشير «سقراط» إلى أن «ديوتيما» قد أخبرته أنه إذا وصل إلى أعلى درجة من درجات السُلم، وفكر في صورة الجمال في ذاته، فلن يتم إغواؤه مرة أخرى من خلال عوامل الجذب الجسدية المُعتادة، ولا شيء يمكن أن يجعل الحياة تستحق العيش أكثر من الاستمتاع بهذا النوع من الرؤية، لأن الصورة المثالية للجمال ستوحي بالفضيلة الكاملة لمن يفكر فيها.
وهذا الوصف لسُلم الحب هو مصدر المفهوم المألوف لما يُعرف بالحب الأفلاطوني، أي نوع الحب الذي لا يتم التعبير عنه من خلال العلاقات الجنسية.
حان الوقت لإعادة «أسباسيا» إلى مكانتها الحقيقية
لا جدال في أن «أسباسيا» قد تعرضت للافتراء والسب على نطاقٍ واسع من قبل مُعاصريها نظرًا لتأثيرها البالغ على «بريكليس»، لا سيما من قبل من نصفهم اليوم بصحافيّ الفضائح أو كُتاب الصُحف الصفراء، وهو ما استغله حشدٌ من المؤرخين المدرسيين للفكر اليوناني، أولئك الذين أقلقتهم تلك السُلطة الكبيرة التي منحها لها «أفلاطون» على «سقراط»،
سواء بشكل صريح في محاورة «مينيكسينوس»، أو بشكلٍ ضمني مُستعار في الندوة، بل لقد كان من دواعي سرورهم –فقط لكونها امرأة– أن يصفوها بالمومس أو الداعرة، لكننا إذا قبلنا الدلائل السابقة على أن «ديوتيما» لم تكن في الحقيقة سوى «أسباسيا»،
فسوف يؤدي ذلك إلى نتيجة تاريخية مثيرة، فالمفاهيم المنسوبة في الندوة إلى «ديوتيما» هي مفاهيم أساسية للفلسفة، وكذلك لطريقة الحياة التي كان «سقراط» يعتنقها: أن العالم المادي يمكن، بل ويجب أن يُنحى جانبًا لصالح المُثل العُليا، وأن تربية الروح، وليس إرضاء الجسد، هي الواجب الأسمى للحب، وأننا بحاجة إلى تحديد شروطنا لاكتساب المعرفة قبل أن نأمل في معرفة ما تنطوي عليه في الممارسة، وأن الخاص يجب أن يخضع للعام، العابر للدائم، والدنيوي للمثل الأعلى.
إن تحديد هوية «ديوتيما» واضح جدًا، لدرجة أن عدم رؤيته بوضوح حتى الآن لا يمكن أن يُعزى إلا إلى التحيزات الواعية أو اللا واعية حول مكانة المرأة وقدراتها الفكرية على مر العصور.
وقد حان الوقت لإعادة «أسباسيا» إلى مكانتها الحقيقية بصفتها المرأة التي، من خلال مساهمتها في فكر «سقراط»، وبالتالي فكر خلفائه، يمكن الاعتراف بها الآن كمفتاح لإرث الفلسفة الغربية الذي يعود إلى ألفي عام.
اقرأ أيضاً:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا