مقالات

أحجار جورجيا الإرشادية ونظرية المؤامرة – الجزء الثاني

Georgia Guidestones and Conspiracy Theory

ماذا إذن عن فحوى رسالة النُصب الأساسية ووصاياه العشر؟ ولماذا كانت هدفًا لنظريات المؤامرة؟ وما خطورة ما تدعو إليه أو تُبشر به؟

دعوة لإعمال العقل والمنطق

بدايةً تبدو رسالة النُصب الأساسية (لتكن هذه أحجارًا إرشادية لعصر العقل) وكأنها تستلهم أفكار الفيلسوف والناشط السياسي الأمريكي «توماس بين» Thomas Paine (1737 – 1809) التي ضمَّنها كتابه «عصر العقل»The Age of Reason (المنشور في ثلاثة أجزاء: 1794، 1795، 1807)، والذي انتقد فيه الدين المؤسسي (الكنسي) وسعيه نحو الهيمنة السياسية، وتحدى عصمة الكتاب المقدس، وأنكر ما انطوى عليه من معجزات.

ورغم كونه لا يرفض فكرة وجود الرب من منطلق تبنيه للدين الطبيعي، إلا أنه نظر إلى الكتب المُقدسة، لا كنصوصٍ إلهية أو وحيٍ من عند الخالق، بل كقطع أدبية من وضع البشر، داعيًا إياهم إلى إعمال العقل والمنطق عوضًا عن الوحي.

هذا ما عبَّر عنه «توماس بين» بوضوح في صدر الفصل الأول من كتابه، حيث صرَّح قائلًا: “أؤمنُ بإلهٍ واحدٍ لا غير، وأطمحُ في سعادةٍ بمعزلٍ عن هذه الحياة. أؤمنُ بأن كل الناس سواسية، وأؤمن أن الواجبات الدينيّة تحض على تحقيقِ العدالة، وحب الرحمة، وعلى جعل رفقائنا من الخلقِ سعداء.

بيد أني أؤمن بالمزيد من الاعتقادات بالإضافة لذلك، ولهذا عليَّ أن أوضّح الأمور التي لا أؤمنُ بها، وأسباب عدم إيماني بها، لا أؤمن بالعقيدة المُعلنة من قبل الكنيسة اليهودية، والرومانيّة، والإغريقيّة، والتركيّة، والبروتستانتيّة، أو أية كنيسة أعرفها؛ عقلي هو كنيستي.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ولا أرى في كل المؤسسات الكنسيّة سواء أكانت يهوديّة أم مسيحيّة أم تركيّة سوى أنها محضُ اختراعات بشريّة، أُعدّت لاستعباد البشريّة وإرهابها، واحتكار القوة والربح. لا أودُ بهذا القول أن أُدين من يعتقدُ خلافه، لأن لهم الحق ذاته في اعتقادهم كما هو لي. ولكن من الضروري للسعادة البشريّة أن يكون الإنسان مُخلِصًا عقليًا لنفسهِ، فالكفر الحقيقيّ لا يكمن في الإيمان من عدمِه، إنما هو في اعتناق عقائد لا يؤمنُ بها المرء حقًا”.

على خلفية هذه الأفكار، لم يستغرق الأمر كثيرًا من الوقت لترجمة الوصايا العشر الغامضة التي تحملها الأحجار، ومقارنتها بدعوات العولمة نحو نظام عالمي جديد، أو بالأحرى نحو عالمٍ أرضي جديد يُبنى بالعقل وحده (العقل الرأسمالي المُعولم) على أنقاض الدين!

البشر لا يحيون بالعقل وحده

وهكذا تُرشدنا الوصية الرابعة مثلًا إلى التحكم بالعاطفة والعقيدة والتقاليد، وإخضاعها لمنطق العقل، فلقد بلغت البشرية سن النُضج، ومنذ القرن السابع عشر تعلَّم البشر أن يجدوا في العقل أساسًا جديدًا لليقين (الكوجيتو الديكارتي: أنا أفكر إذن أنا موجود Cogito, Ergo Sum)، وتعلموا استخدام العقل على نحو شامل أكثر من أي وقت مضى في محيط الشك.

وقد كان لهذا التوجه ما يبرره من حيث المبدأ، بل لقد كان ضروريًا من المنظور التاريخي، للبشر في التنوير العلمي بضرورة البحث في الطبيعة وقوانينها دون تحيز، وبطريقة عقلانية ونسقية، وكذلك للبشر أنفسهم في علاقاتهم الاجتماعية بكل جوانبها المختلفة.

لكن البشر في الحقيقة لا يحيون بالعقل وحده (على حد تعبير عالم اللاهوت السويسري هانز كونج Hans Küng)، فعلى الرغم من أن العقل المستقل والمعرفة العلمية لهما ما يبررهما من حيث المبدأ، بل وضروريان تاريخيًا، فإن العقلانية المجردة ذات البُعد الواحد مرفوضة.

وسواء أكان المرء فيزيائيًا أو فيلسوفًا أو أيًا كان، فإن كل رجل أو امرأة لديه –أو لديها– ما هو أكثر من العقل؛ لديه الرغبة أو الشعور، الخيال والاستعداد، والعواطف والشهوات والتقاليد، وقبل ذلك العقيدة، تلك التي لا يمكن ببساطة ردَّها إلى العقل.

وحتى الموضوعية العلمية –التي هي في غاية المركزية بالنسبة للعلم الحديث والمعاصر– مرت بمراحل تاريخية تدفعنا إلى التأكيد على أنها ليست في هوية مطلقة مع الحقيقة، فكما أن العدالة بعيدة تمامًا عن استنفاد قائمة الفضائل الاجتماعية، فكذلك الموضوعية، بعيدة تمامًا عن استنفاد الفضائل الإبستيمولوجية، وكما أن العدالة يمكن أن تتعارض مع الخير، فالموضوعية يمكن أن تتعارض مع جوانب أخرى للحقيقة.

ومهما كانت صيغ الفيزياء والرياضيات والكيمياء وغيرها من العلوم تبدو موضوعية، إلا أنها ليست على الإطلاق المعايير الوحيدة للواقع. إن عبادة العقل كإله لم تمنع في الواقع إرهاب المقصلة إبان الثورة الفرنسية، وحتى العلم، الذي هو عقلاني للغاية، غالبًا ما يعمل بطريقة غير عقلانية تمامًا، ويؤدي أحيانًا إلى نتائج غير عقلانية.

علاقة الوصية الأولى بالوصية العاشرة

من جهة أخرى، ترتبط الوصية الأولى بالوصية العاشرة في الدعوة إلى تقليص عدد سكان العالم بحيث لا يتجاوز 500 مليون نسمة، فإذا علمنا أن عدد سُكان العالم يصل الآن إلى 7.8 مليار نسمة، فمعنى ذلك أننا يجب أن نتخلص من 7.3 مليار شخص،

سواء أكان ذلك حُلمًا يُراود خيال سادة العالم تحت مظلة نظامه الجديد بعد كارثة طبيعية منتظرة (لا تبرئ من ممارسات الإنسان التدميرية للكوكب)، أو كان هدفًا يسعى إليه أرباب العولمة من خلال كوارث اصطناعية متتالية، وهو ما يُحفز الذهن لاسترجاع أفكار عالم الاقتصاد الإنجليزي «توماس روبرت مالتوس» T. Malthus في كتابه «مقال عن مبادئ السكان» (1798 & 1803).

في هذا الكتاب ذهب «مالتوس» إلى أن سكان الأرض يتزايدون بمتوالية هندسية (أي 1، 2، 4، 8، 16، 32، …)، بينما تزيد خيرات الأرض بمتوالية حسابية (أي 1، 2، 3، 4، 5، 6، …)، وإن الإلمام البسيط بالأرقام ليبين ضخامة القوة الأولى بالنسبة إلى الثانية، ومن ثم فلنا أن نتوقع صراعًا من أجل البقاء بين سكان الأرض.

وليس ثمة موجب للتفاؤل ولتوهم التقدم البشري والاجتماعي، ولأحلام السعادة التي بشَّر بها عصر التنوير. لذا يذهب «مالتوس» إلى أن الطبيعة تُصلح هذا الوضع كلما اختل التوازن بالحروب والأوبئة والقحط، غير أن الإنسان يستطيع ذلك أيضًا بإجراءات وقائية، منها مثلًا وقف الإعانات –سواء أكانت خاصة أم حكومية– لأنها تُعطي نقودًا للفقراء دون زيادة في كمية الطعـام الموجودة، ومن ثم ترتفع الأسعار وتقل المواد الغذائية.

كذلك خطة الإسكان الشعبي مرفوضة، لأنها تحث على الزواج المبكر، وبالتالي زيادة عدد السكان. ولارتفاع الأجور ذات الأثر الضار، وعلى هذا تكون الوسيلة الوحيدة للفرار من هذه المعضلة المعقدة هي الزواج المتأخر مـع «الكبت الأخلاقــي» أي ضبط النفس عن الشهوات، وذلك بدلًا من استخدام وسائل منع الحمل التي اعتبرها –كلاهوتي– خطيئة. وبهذه الأفكار مهد «مالتوس» الطريق أمام انتشار مساوئ الرأسمالية في العصر الحديث، وامتداداتها التي يكبدها الإنسان المعاصر في عصر العولمة.

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

ما قبل العقل وما بعده

معضلة الوحيد

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية