علم إنساني واحد ذو فروع عديدة

على مدار زمن طويل ظلت مدارس البحث في العلوم الاجتماعية تركز على ما تسمى “الأبحاث الصغيرة” أو التي تعالج “قضايا نووية” معزولة، أو مسائل فرعية محدودة، قد يعيش الباحث طوال حياته منكبا عليها، غارقا فيها، لا يعرف شيئا غيرها أو خارجها، سادرا في شعور زائف بالاكتفاء، أو مؤمنا بأن العلم يقتضي توزيع البُحاثة على تخصصات صغيرة،
يجاور بعضها بعضا، وقد تتلاصق أو تتلاقى لدى مؤسسات معينة، أو عقول بعينها، يعرفها الباحث الفرعي، ويدرك أن جهده يصب فيها، كما يصب الرافد الصغير في مجرى النهر.
وهناك حالات كثيرة لا يعرف فيها الباحث الفرعي إلى أين يذهب جهده، وماهية الجهات التي تستفيد منه، فيظل طوال حياته معزولا، ويتحول العلم لديه إلى مجرد مهنة يتعيش منها، شأنها شأن أي حرفة يدوية كالفلاحة والنجارة والحدادة، أو ذهنية كالمحاماة والمحاسبة.
أهمية التفاعل بين الفروع الرئيسة في العلوم
لكنني أعتقد أن الاهتمام بالفروع ليس شرا محضا، ولا تفاهة خالصة، حين يؤمن أصحابه بروح الجماعة العلمية أو الفريق البحثي، لكن هذا الاهتمام يصير تافها وهامشيا حين يعتقد هؤلاء أن ما يمتلكونه هو العلم من كل أبوابه الواسعة، وأنه ليست هناك حاجة إلى الإلمام بالكل من أجل فهم الجزء، وأن هذا الجزء الصغير يمكن لوجوده أن يستمر ويتطور قدما بمفرده، مستغنيا تماما عن عطاء الفروع الأخرى من العلم، ومكتفيا بحال من الجدل الداخلي الدائم والدائب.
وقد وجدت أن مثل هؤلاء لا يلتفتون كثيرا إلى أمرين أساسيين، الأول هو أن فروع العلوم قد تطورت من خارجها، أو نتيجة لتفاعلها مع فروع علمية أخرى، فهي في هذه الحال تبدو نهيرا صغيرا ينبع من النهر الكبير، أما إن انغلق الفرع على ذاته، أو هكذا فعل به أصحابه والمختصين فيه، فإنه يصير مثل بركة ماء حبيس، أقصى ما يطرأ عليها من تغير إيجابي هو أن تضربها الرياح، فيهتز سطحها، لكن تظل أعماقها راكدة، وتحتاج إلى زلزال كي ترتج وتتموج فلا تتعفن.
وفي حقيقة الأمر فقد أدى التفاعل بين الفروع الرئيسة في العلوم إلى إبداع علوم جديدة، فعلم الاجتماع مثلا، نبتت على ضفافه الرحيبة ألوان من العلوم مثل علم الاجتماع السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم اجتماع المعرفة، وعلم الاجتماع القانوني، إلخ.
وتفاعل علم السياسة مع الاقتصاد فولد الاقتصاد السياسي، ومع علم النفس فأنتج علم النفس السياسي، ومع الجغرافيا، فولدت الجغرافيا السياسية، ومع الفلسفة فتغذت النظرية السياسية والفكر السياسي على حد سواء. وفي العلوم الطبيعية مثلا ولدت الكيمياء العضوية من تفاعل علمي الكيمياء والأحياء، وهكذا.
أما الأمر الثاني فتفرضه طبيعة العلوم ذاتها، فالإنسانيات مثلا تبدو في نظر كثيرين علما واحدا له فروع عدة، ولذا فإن تفسير أي ظاهرة إنسانية لا يمكن أن نضمن له السلامة والصحة والدقة من دون أن ننظر إليها من شتى جوانبها، مستفيدين من كل ما تتيحه ألوان العلوم الاجتماعية من مؤشرات ونماذج إرشادية وأفكار، إلخ.
ففي العلوم الطبيعية نقول في تفسير بعض المعادلات الكيميائية عبارة “مع تثبيت العوامل الأخرى”، لكن مثل هذه العبارة لا تصح في العلوم الإنسانية، لتداخل الأسباب التي تنتج الظاهرة، ولتعقدها إلى أقصى حد.
جهة واحدة لا تكفي
وحتى تقترب الصورة أكثر فلنفترض أن باحثا معينا مختصا بدراسة القبائل اليمنية، وأنه يسعى بجدية إلى فهم كل شيء يتعلق بها، حتى يكون بوسعه أن يدلي برأي سديد حولها، ويجلي حقائقها.
فلو أن هذا الباحث درس هذه القبائل من خلال تاريخها وتركيبها وعاداتها وتقاليدها فقط فلن يكون بوسعه أن يفهمها على الوجه الأكمل، لكنه سيصل إلى هذا الهدف إن درسها في ظل الاستفادة من الأطر والاقترابات المنهجية العامة التي أتاحتها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم السياسة في تناوله للأطر الاجتماعية التقليدية،
وكذلك الأدب الشعبي “الفلكلور”، والنظريات الاقتصادية في حديثها عن أنماط الإنتاج والتوزيع، وعلم القانون في تناوله لدور العرف والتقاليد في الضبط الاجتماعي.
وهناك باحثون ينأون بأنفسهم عن هذه المسارات الضيقة، فيزاوجون بين الرؤى العامة العميقة والتخصصات الدقيقة، ويتخذون من الأولى إطارا أرحب لفهم الثانية، الأمر الذي قد يهبهم تميزا ملحوظا في مجالهم.
وقد وجدت أن هناك من يعلون فوق هذه المسارب الصغيرة، وينهلون من كل خبر بطرف، ويقطفون من كل بستان للمعرفة أجمل ما فيه من أزهار وورود، ويضربون الأفكار والمعلومات والرؤى والاتجاهات على اختلافها في بعضها البعض، فيخرجون بحاصل معرفي جديد.
مثل هؤلاء يرتقون الدرجة الأولى للثقافة، مؤمنين بالدراسات عبر النوعية التي تقول إننا أمام علم إنساني واحد ذي فروع عديدة، ويبقى عليهم أن ينحازوا إلى الناس وقضاياهم، والمجتمع ومشاريعه، وأن يتمسكوا بالمثل، ولا يستسلموا لرداءة الواقع، حتى يشدوا أمتهم وراءهم على طريق النهضة، ومن ثم يستحقوا أن يحملوا لقب مثقفين.
اقرأ أيضاً:
العلوم النظرية والعلوم التطبيقية.. أيهما أهم ؟
أهمية العلوم العقلية في حياتنا العملية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا