
حدثنا شاؤول بن ختيشوع، وقد غلبته الدموع، واختنقت منه الضلوع، وضاقت به الربوع، قال: بينما كنت وأصحابي في سِنة من الليل وهجوع، بعد أن سهرنا نرقص على ضوء الشموع، وكانت قد أنيطت بنا حراسة سجن جلبوع ، إلا وقد صحونا على جلبة وصخب، وصفير وكرب، وقد تنادى الجميع بالنفير، فاستيقظ كل هائم وخفير، قد ذهب النوم عن العيون، وانقشعت الطمأنينة عن الجفون، والكل ينظر عن اليمين والشمال، ويتساءل عما جرى في الوقت والحال، لكن الأصوات تتعالى، والأضواء الخافتة تنير وتتلالا.
وبينما نحن في تلكم الحال التي تغني عن كل مقال، كان المساجين في كل واد يهيمون، ومن سعادتهم يكبرون ويهللون، ويرقصون ويتمايلون، وإلينا يشيرون ويستهزئون، حتى خفضت رأسي مطأطئا، واستندت على صاحبي متوكئا، وهم قد بلغوا من الفرح والصياح، والبهجة والارتياح، ما يضع من علامات الاستفهام، وسؤالات الحال والمقام، فجن جنوني، واستشاطت شؤوني، حتى حرت في أمري وشأني، وحالتي وشأوي، وما عدت أدري ما الذي جرى، وتساءلت يا هل ترى ماذا جرى؟!
فما هذي المفارقة العجيبة، والمناقضة الغريبة، رباه ما هذا؟! صخب هنا، وفرح هنالك، وظللت على هذا الالتباس، والهلاوس والوسواس، حتى جاءنا الخبر اليقين، والقدر المستبين!
هم الأبطال
وما كدت أتسمع الأنباء حتى تيقنت من عظم المصيبة واللأواء، فقد حكوا، وليتهم خرسوا وما حكوا، أن ستة من أسرى فلسطين، قد فروا من جلبوع هاربين، بعد أن حفروا الخنادق، وكأنهم ثلة من الفيالق، مستخدمين ملاعق الطعام، وشفرات الأقلام، والحلاقة والهندام، قد أزمعوا أمرهم، وعرفوا طريقهم، يبغون الحرية والاستقلال، والانفكاك من أسر الذل والمآل،
إذ أحكموا خطتهم، وبيتوا نيتهم، وتكتموا أمرهم، وتستروا دربهم، لا يألون جهدا في العمل، ولا يتسلل إليهم اليأس أو الملل، فتية آمنوا بربهم، ورسموا سبيلهم، لم يشغلهم ظلام الكهف واشتداد السدف عن تبين الحدود، وتخطي السدود!
فوالله لقد أصبت بالدوار، حتى كدت لا أصدق ما يهرفون به أو يقال ويدار، لكن الأنباء تتوالى، والأخبار تترى وتتعالى، فقد ظلوا أكثر من عشر سنوات، وهم يحفرون تحت الأرض بعزيمة وثبات، قد عرفوا خرائط سجن جلبوع الخبيئة، ونزلوا تحت المجاري الوبيئة، يفعلون كل ذلك ونحن في غفلة ونيام، وسكر ومدام، فيالها من مصيبة قد وقعت على الرؤوس، وتمزقت منها النفوس، وعار سيبقى أبد الدهر، وشنار سيلحقنا طول العمر!
لكنني وفي خضم ذلك أتساءل من أي طينة هم من البشر؟! وكيف هيأهم القدر؟! وكأنهم كما وصفهم شاعرنا التمام وأديبنا الهمام، المصري النشأة، الغزاوي الأصل، حينما قال:
رعود في القعود وفي القيام وشم في النوازل كالجبال
وأسد الغاب في الساحات تترى هم الأبطال في سدف الليالي
نجوم الليل قد أمست بدورا وشمس قد تبدت كالهلال
وعقل زان ليس سواه عقل وقلب كالصخور ولا يبالي
هم الأبطال فلتسمع (يهودي!) مغاوير من القمم العوالي
وإذا كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد نجحت في ضبطهم، وإعادة اعتقالهم مرة أخرى، فإن هذا لن ينفي الذل الذي لحق بالاحتلال جراء فرارهم من سجن جلبوع شديد الحراسة، ومن ثم هدم المنظومة الأمنية التي تفتخر بها إسرائيل صباحا ومساء،
وهكذا وفي كل يوم يثبت العرب والمقاومة أنهم قادرون، وأنهم باستطاعتهم سحق هذا الكيان الغاصب، بدءا من خط بارليف في حرب أكتوبر، وكذلك هدم أسطورة القبة الحديدية في حرب غزة، ثم ما قام به هؤلاء الأبطال من الهرب وحفر نفق داخل هذا السجن.
فالنصر آت، والله أكبر!!
اقرأ أيضاً:
من القضايا الأهم والأكثر وضوحاً منذ سنوات
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
*****************
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا