مدينة الأشباح

مدينة الأشباح
كانت هناك مدينة كبيرة تتميز بأراضيها الخصبة ومائها العذب، وكان سكان هذه المدينة ينعمون بالراحة والهدوء والسعادة، وفى يوم من الأيام أراد أحد التجار الأغنياء الذى كان يعيش فى أحد المدن المجاورة لمدينة الأشباح ذات الأراضى الخصبة شراء هذه الأراضى من المزارعين وتحويلها إلى مدينة صناعية ضخمة واستثمارها فى السياحة، إلا أن هؤلاء المزارعين رفضوا أن يبيعوا أراضيهم على الرغم من أن هذا التاجر الغنى قد عرض عليهم مبلغا كبيرا من المال ومع ذلك أصروا على عدم البيع،
فكر التاجر كيف يستطيع أن يخرج هؤلاء الفلاحين من أراضيهم فتفتق ذهنه عن فكره شيطانية..
أمر صبيانه بأن يذهبوا إلى هذه المدينة وأن يروجوا فيها الشائعات بأن هذه المدينة يسكنها الأشباح ، وأجَّر بلطجية للتخريب وللسرقة ولإشاعة الفوضى فى المدينة
ومع الوقت، سادت حالة من القلق والخوف في المدينة، وأصبح الفلاحون ينهون عملهم مبكرًا
ويسرعون فى العودة إلى منازلهم قبل حلول الظلام خوفا من الأشباح
شعر الكثير من الفلاحيين بالضيق وبالتوتر من هذا الوضع الجديد، وتجمعوا فى يوم وقرروا بيع أراضيهم لهذا التاجر الغنى وأن ييحثوا عن سكن وعمل جديد لهم فى مدينة أخرى أكثر أمنا وهدوءًا …
إلا أن ” رافض ” الفتى الأسمر الذى يبلغ من العمر خمسة عشر عاما، على الرغم من صغر سنه إلا إنك لو نظرت فى عينيه واستمعت إلى كلامه لشعرت بمدى القوة والتحدى والإصرار الذى يحملها هذا الإنسان البسيط والتى ربما لا توجد ولا تراها عند من يكبرونه سنا!
فقد أصر” رافض” على رفض اقتراح الفلاحين لبيع الأراضى وقال لهم :نحن لم نتحقق بعد بأنفسنا من صدق هذه الشائعات ومن وجود الأشباح فمن الممكن أن يكون هناك لصوص وهم من يقومون بسرقة أراضينا فى الليل، فلابد أولا قبل أن نقرر بيع الأراضى أن نخرج بأنفسنا فى الليل لنتحقق من صدق هذه الشائعات
فتحدث الفلاحين بصوت عالى: هل جُننت يا رافض، هل تريدنا أن نخرج بالليل !!
أنت لم تسمع أصواتهم المربعة فى الليل!! ولم تسمع قصة جارك” حامد” والذى أصر على الخروج مثلك فى الليل فاختفى ولا يعرف أحدُ منا مكانه حتى الآن !!
لن نجازف أبدا بأرواحنا ونخرج فى الليل،
قرر ” رافض ” الخروج بنفسه فى الليل للتحقق من صدق هذه الشائعات، وبالفعل فقد وجد ما كان يتوقعه
هناك مجموعة من البلطجية هم من يقوموا بعمليات النهب والسرقة وإصدار أصوات مخيفة كأنهم الأشباح لإخافة الفلاحين ومنعهم من الخروج وإجبارهم على بيع الأراضى ،
عاد رافض إلى منزله سريعا قبل أن يشعر به هؤلاء البلطجية ، فهو بمفرده ولا يستطيع مهاجمتهم وإلقاء القبض عليهم، وقرر ” رافض ” فى الصباح أن يحكى للفلاحين ما رأى، وأن يطلب منهم مساعدتهم للتخلص من هؤلاء البلطجية ولاستعادة حريتهم من جديد،
لم يستطع” رافض” النوم طوال الليل من شدة الفرحة والانفعال فقد حل اللغز، وقريبا سيستعيد أهالى المدينة حريتهم من جديد ،
ولكن ما عكر فرحة رافض رد فعل الفلاحين وموقفهم عندما سمعوا حكايته، فقد قالوا :
لابد أنك قد أسأت التقدير والحكم ولم ترَ ولم تتحقق جيدا، وربما هؤلاء ليسوا بلطجية، وربما.. وربما ..
ولم يهتم أحد بما رآه “رافض”
طلب منهم “رافض” الخروج فى الليل للتأكد من صحة ما يقول، إلا أنهم رفضوا خوفا على أنفسهم
وتصرفوا وكأن شيئا لم يحدث ولم يتحركوا !!
والسؤال هنا :
ما الفرق بين وضع رافض ووضع بقية الفلاحين؟
لماذا يشعر رافض بكل هذا الحزن والضيق فى حين أن الآخرين لا يعيشون ولا يشعرون بهذه الحالة ؟
الفرق فى أن رافض يشعر أنه يعيش فى سجن
أما الآخرين فلا يشعرون بذلك لذلك لا يعيشون معاناة “رافض ”
وكيف عرف رافض أنه سجين؟!!
عندما تحرك وأراد أن يخرج فوجد قيود تمنعه من الخروج
إذن: على السجين أولا أن يدرك أنه سجين بنفسه ومن لا يتحرك لا يشعر بوجود قيوده
ومن هذه القصة أريد أن أشير إلى أن هناك :
أشخاصا كثيرين يعيشون فى سجن إلا أنهم لا يدركون ولا يعرفون ذلك! ولا يشعرون بتلك القيود! لأنهم لم يفكروا فى التحرك وأخذ مسارات مختلفة عن المسار الذى اعتادوا على أن يسيروا فيه ويمارسوه،
إنه سجن من نوع وشكل جديد :
،سجن موجود بداخل عقولنا
فأحيانا نكون سجناء أفكار وقيم مجتمعنا ولا نشعر بأننا سجناء
وأحيانا نكون سجناء شهواتنا وملذاتنا
وأحيانا نكون سجناء كبريائنا وغرورنا وتعظيمنا لذاتنا ولا نشعر بذلك
وأحيانا نكون سجناء الخوف والقلق والرعب من وقوع شيئا ما أو فقد شيئا ما فى حياتنا أو الخوف من أشخاص معيينين
ولكى نعرف إن كنا سجناء أم لا ، علينا أن نتحرك فى الاتجاه المعاكس ليعرف كل واحد فينا إن كان سجين أم حر …نكون مثل رافض في مدينة الأشباح
إن السجون والزنازين التى لها جدران أهون بكثير من السجون التي بلا جدران
لأن السجين فى هذا السجن يدرك جيدا ويعلم أنه سجين، أما الآخر الذى يعيش السجن الذى بلا جدران لا يشعر بأنه سجين لذا فهو” لا يقاوم لاستعادة حريته “،
فكيف لشخص يقاوم للخروج من الأسر وهو لا يعلم أصلا أنه أسير !!!!
وهذا ما يحدث لكثير منا أصدقائى :
فقد يعيش الإنسان طيلة حياته أسير فكرة معينة تراوده وتتردد على ذهنه كثيرا وتسبب له عند ترددها فى ذهنه الكثير من المتاعب والمشكلات والأزمات النفسية،
ويشعر بالضغط النفسى بسببها، وتدور الأيام وقد يتحول هذا الهاجس من خيال إلى واقع فيجد نفسه يعيش آلام نفسية أقل بكثير مما كان يتخيل أنه سيعيشها عندما يتعرض لهذه المشكلة،
فالسجن كما قلت أصدقائى ليس بالضرورةأن يكون فقط من أربع جدران حتى نستطيع الاعتراف بأنه سجن، وأن التعذيب ليس بالضرورة لابد أن يقع داخل هذا السجن حتى نعترف بأنه تعذيب
إن السجن والتعذيب الحقيقى الذى يقع على الإنسان بالدرجة الأولى هو “خوف الإنسان ورعبه ” حتى قبل أن يدخل السجن .
وتذكروا أصدقائى :
إن جوهر الحرية هو التحرر من الهوى وحب الأنا والأفكار السلبية التى تعيقه وتؤذيه وليس التحرر من العقل والأخلاق..
فهل ترانا سنتحرك لنعرف إن كنا نعيش فى الأسر أم نعيش خارجه !!
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.