اذهب يا بني

اذهب يا بني
قيل لحكيم في العصر القديم :
“لو أمكنك أن تسافر عبر الزمن لترى كيف يمكن أن تسيطر الحكومات على شعوبها للحد الذي تصنع فيه وعيها بيديها وتتلاعب في مساحات اللاوعي حتى تعبئه بما تريد من قيم وأفكار وتصورات حتى يصير الفرد المعبىءمن أفراد الشعب كالمسلوب الإرادة بين يدي ساحر متمكن من عمالقة السحر الأسود، وطُلب منك أن تقود تلك الحكومة فماذا ستفعل؟ ”
فرد الحكيم بعد أن ظل صامتا لفترة طويلة وقد اتسعت حدقتا عينيه دهشة وتصبب عرقًا ثم استجمع قواه وسأل بانفعال شديد:
“ومن الذي يحكم ذلك العالم، أهم الحكماء والفلاسفة وقد تمكنوا أخيرا من حكومة العالم؟ ”
قيل له :
“لا بل المال والثروة، تحت حماية الجيوش.”
فرد الحكيم وقد ملأ وجهه العبوس والمرارة الممزوجة بالدهشة:
” لو صح ما تقول لانتفت حاجتهم لأمثالي بل ولصرت عدوهم الأول، سأقول لك شيئا واحدًا لو صار ما تقول حقًا وقادني القدر لذلك العالم فأول ما أظنني سأسعى إليه كعاقل هو العمل على تحطيم هذا السحر الأسود، فإما النجاح أو الموت وأنا على ذلك الحال”.
ثم أردف الحكيم وقد وضح على وجهه العبوس الشديد:
“أتعلم ؟ إن سؤالك الأول هذا قد راود أحلامي كثيرا فكنت أخرجه من عقلي سريعا لا لأنه غير ممكن الحدوث، بل ربما لأني وقتها إما سأكون في العالم الآخر أو في الجهة الأخرى من العالم التي ترفض أن يستحيل الوجود الإنساني وجودا منحطًا للقدر الذي ينزل فيه الإنسان من عليائه وكرامته بعبوديته للجميل الكامل والخير المحض ليعبد صنم المادة ويسجد لإله المال.”
ثم تابع الحكيم عمله وربت على كتف السائل بحنان قائلاً:
” لا تعش كثيرا في عالم الخيال، بل اصنع بوعيك ومعرفتك وإرادتك عالمك الصغير، وادع من استطعت من المخلصين ليشاركوك عالمك، ودحرج معهم كرة المعرفة الصغيرة، عسى أن تكبر الكرة فتضيء الطريق لمن حولها وتجذب الصادقين لضوئها، ويحدث الفتح. ولا تنسى حينها أنك كنت ذلك الجاهل الساذج الضعيف فأفُيضت عليك المعرفة والحكمة والقوة من لدن منبعها الحكيم، فلا تنسى المنبع لتنشغل بالمصب، وقتها يمكن أن تقول مطمئنا إنك قد استدعيتني عبر الزمن، فما كنت أقوله في سالف الأزمان قد طوى المسافات وتجاوز الأزمان ليستقر في عقول وقلوب الباحثين عن الحكمة لتجد الحكمة سبيلها لإضاءة ظلمات العالم.”
نظر الحكيم مباشرة في عيون سائله وقد رآها ممتلئة بدمع صامت وحزن خفي دفين فذرف من عينيه دمعة سالت على لحيته البيضاء وقال في صوت حنون:
” اذهب يا بني ولا تبتئس بمولدك في عالم كعالمك، فلعل وجودك فيه مع كل مافيه هو خير لك ولأمثالك، اذهب أيها الصغير لتضيء شمعة عقلك لتنقذ ما بقي من نفسك عسى أن تنجو فينجو مثلك من قرر أن ينجو، وتذكر حكايات المستضعفين وانتصارات المظلومين، ولا يغرنك أبدا قوة الحكام ولا شدة بأس ساحريهم فليسوا فيها بباقين وكل ما جاؤوا به ليس شيئا في قبال منبع القوة والقدرة، فقط إن استطعت أن تتوجه له وتوجه من أراد الخلاص لساحته.”
بدأت صورة الحكيم تبتعد سريعا وصوته يخقت رويدا رويدا وكان آخر ما قاله
” اذهب يا بني …
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.