طوبى لمن حاول

طوبى لمن حاول
1
في منتصف الطريق تتحرك سيارة فارهة، ببطء ينزل زجاجها غالي الثمن، أسود اللون، حاجبا مَن خلفه عن التماس مع العالم المتدني، ببطء يستمر النزول، ثم تخرج يد مرفهة منعمة، تنتمي غالبا لأحد سادات المجتمع، يغطيها ملبس فاخر، وعطر فواح-تخرج لتلقي بكيس قمامة أسود في منتصف الشارع!
وذلك رغم توفر أماكن أخرى لإلقاء وتجميع القمامة، مع قلتها؛ لكنها متوفرة، فقط قد تتطلب من صاحب السيارة أن يطيل رحلته المنعمة بضع دقائق أخرى! وبرغم كل ما تعلمه في حياته من كلمات رنانة عن الرقي والتحضر والنظافة، وبرغم انبهاره بنظافة الشوارع في بعض الدول الغربية التي طالما يزورها وبسلوك قاطنيها، وبرغم قدرته على دفع اشتراك لإحدى شركات النظافة لتأخذ القمامة من بيته يوميا، بل وتنظيف الحي كله إن أراد – برغم هذا كله يبدو مصمما جدا وواثقا جدا على إلقاء القمامة في منتصف الطريق، أو على جانبه في أحسن الأحوال.
على الصعيد الآخر يتحرك مراهق في أوائل العقد الثاني من العمر، بهيئة غير الهيئة، وتربية غير التربية، وثقافة غير الثقافة، وطبقة أقرب للقاع؛ ليلقي ببعض القمامة كما فعل الأول.
ربما لم يعلمه أحد يوما معنى النظافة، كيف وبيته لا يختلف كثيرا عن الشارع؟ لم يتلق تعليما، ولم ير مثلا يقلد، ولا ناصحا ينصح، ولا ناهيا ينهى.
2
بين “الفسق” و”الجهل” تتركز معظم مشاكل البشر، الفسق بمعنى معرفة الحق ثم مخالفته عالما معاندا! أما الجهل فهو عدم العلم بهذا الحق أصلا!
و خلافا لهما يوجد الحق الكامل، الكمال والجمال، المتوفر في العالم العارف، القريب الواصل.. “الرئيس الأول” كما يسميه الفلاسفة.
وهؤلاء برغم قلتهم في تاريخ البشرية إلا أنهم يصنعون فارقا جما يغير العالم إذا أتيحت لهم الفرصة، هم الأنبياء والرسل والأولياء. حجة على قومهم. يصلون للعدل التام إذا كتب لهم التمكين، أما إذا لم يكتب لهم فهم يحاولون منتظرين القبول.
وبين الفئات السابقة تقبع مجموعة أخرى تحاول، وكل سعيها هو المحاولة. تحاول أن تعرف الحق وأن تصل له، تحاول أن تلتزم به بعد أن عرفته، ثم تحاول أن تأخذ بيد الاثنين الأولين إليه، وأن يتبعوا الفئة الثالثة فيه. ليسوا بالضرورة طبقة وسطى مما قد يتبدى من المثال، بل إن “المحاولين” موجودون في كل مكان، وكل طبقة، وكل زمان.
برغم الفساد الشديد في مكان عمله.. يحاول. وبرغم التدني الشديد في الأخلاقيات والسلوك حوله .. يحاول. برغم السخرية وعدم القبول من الآخرين.. يحاول. يبحث عن الكمال دوما في كل مكان. يحاول.. ويوما ما سيصل بإذن الإله، وإن لم يصل فسيظل محاولا ما استطاع. هؤلاء إن عرفوا طريق الحق اتبعوه، وإن وصلوا له تمسكوا به ما استطاعوا غير فاسقين، يطلبون العلم فيما يجهلون، وإن علموا فيعملون قدر ما استطاعوا. يصيبهم تعب ونصب أحيانا، ويخطؤون أخرى، لكنهم يعودون للمحاولة.
ولا ينتصر الأنبياء والرسل إلا بهؤلاء، ولا ينجحون في مهمتهم إلا إذا توفروا لهم وصدقوهم وساعدوهم.
3
نحتاج “للمحاولين”، يحتاجهم المجتمع بشدة؛ لحل مشكلة القمامة، مشكلة السياسة، مشكلة المجتمع، وكل المشاكل. نحتاج لمن يحاول برغم الواقع المحبط والمؤلم، لا ييأس من تغير جموع هذا الشعب للأفضل دائما، ولا من احتمالات المستقبل في بلادنا وغيرها، مهما كانت الصعوبة يحاول. إذا اصطدم بالجهل يبدأ في تعليمهم، إذا كان الطريق لن ينتهي في أيام يعد العدة لسنوات، إذا حاصره الفساد لم يستسلم له أو ينخرط فيه.
إذا واجه العقبات والأزمات والتضييق تسلح بالمرونة، وبعد كل إحباط وفشل يتبعه محاولة جديدة، ومن رحم كل محاولة تولد فرص ومحاولات أفضل. ومع كل محاولة يزداد علما وقوة وصلابة، ويشتد عوده، ويرتفع مقامه.
نحتاج لمن يظل على محاولاته مهما كانت الأحداث مظلمة ومحبطة، ومهما كان المصاب في الأنفس أو الأموال أو الحقوق عظيما، من لا يستكبر على غيره ولا يبخل عليهم، من لا يتعلم إلا ليعمل ويُعلّم، ولا يعمل إلا ليصلح. لا يعرف اليأس ولا اليأس يعرفه.
4
عندما خرج الحسين في أهل بيته حوصر في كربلاء، يومها لم يكن معه إلا اثنان وسبعون من أولي رحمه، وقفوا قبالة جيش من ثلاثين ألفا! كان بإمكانه أن يستسلم، أو ألا يخرج أصلا من البداية، أن يترك الفسق والجهل ينخران في عظام الأمة. لكنه لم يفعل، لقد خرج وحاول! وحاول كل من معه؛ وإن كان ذلك آخر شيء يفعلونه في حياتهم.
طوبى لكل من حاول.. طالما أن محاولته هادفة للحق، مهتدية بالعلم، مبتعدة عن الفسوق .
طوبى للمحاولين حولنا من كل الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية والمجتمعية، ممن يبتغون الحق ويسعون له. طوبى لكل من ينفر من الجهل ويأبى الفسق، ويسعى ليحاول! برغم اختلاف المشارب والاتجاهات والأفكار؛ إلا أنك دائما تجد نفسك متعاطفا ومحترما لكل من يحاول رغم الصعوبات.
طوبى لكل من حاول .. طوبى للغرباء .
( قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون ) [ الأعراف – 164].
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.