إصداراتمقالات

عوارض العوارض

1

عندما قابلته للمرة الأولى؛ كان مهلهل الثياب، رث الهيئة، أشعث أغبر، حافي القدمين، هزيل البنية، رمقني بعينين فيهما تعب السنوات، لما اقترب مني أسرعت بالفرار، فقد عرفت من هيئته من هو وما أراد، وكيف أراد. لا بد أنه ممن تسفلت أنفسهم فاستكانت لذل الحاجة وكراهية السعي، وحب الامتهان.. تركته ونسيته وقد ظننت أني عرفته.

لما رأيته بعدها بسنوات، وبرغم تغير الهيئة، وصحة البدن، وفتية المشية، ورفاهة الثياب، عرفته. كان مبتسمًا عذبًا جميلًا، ولما هم ليقترب مني؛ قمت واقفًا لعلي أنال نصيبًا من صحبته. وأول ما قال: “أوظننت أنك تعرفني؟ والله ما عرفتني في الأولى ولا في الثانية.”

سلاسل متتابعات من الأحكام السطحية الشكلية السابقة قفزت إلى ذهني؛ فأدركت أني ما عرفت أحدا قط حق معرفته!

2

اضغط على الاعلان لو أعجبك

” يقول الإمام محمد عبده : ” إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني حسًا كان أو وجدانًا أو تعقلًا، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها وتحصيل كليات لأنواعها والإحاطة ببعض القواعد لعروض ما يعرض لها. أما الوصول إلى كنه حقيقة ما فمما لا تبلغه قوته لأن اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما تركبت منه، وذلك ينتهى إلى البسيط الصرف وهو لا سبيل إلى اكتناهة بالضرورة وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره..”[1]

إن أقصى ما يبلغه العلم الإنساني هو معرفة ما يعرض على الأشياء من تغيرات، كإدراكي للون أوراق الشجرة مثلًا؛ فهو إدراك لما طرأ عليها من تغيير، فاللون ليس شئ ثابت من ذاتيات ما نراه، بل هو عارض عليها، ثم ندرك ما يعرض على هذا العارض من عوارض ! أي التغيرات التي حدثت في هذا اللون مثلا.

أي أن علم الإنسان متوقف على ومعلول بالعوارض و عوارض العوارض ! من غير أن نعلم بذات الشيء وكنهه الحقيقي، وما نعرفه من معلومات عن ذات الشيء فمستدل عليها بهذه العوارض ومعلول لها، فهو علم بالعوارض لا بالذات وبالمعلولات لا بالعلل. وهو قمة النقص والعجز. ومن هذه العوارض نحاول معرفة بعض القواعد والمبادئ الخاصة بالشئ.

يضيف الإمام: “خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء، قرر الناظرون فيه له أحكامًا كثيرة فصلوها في علم خاص به، ولكن لم يستطع ناظر أن يفهم ما هو ولا أن يكتنه معنى الإضاءة نفسه، وإنما يعرف من ذلك ما يعرفه كل بصير له عينان. وعلى هذا القياس.”[2]

3

وعند التأمل في العلم الإلهي نجده على النقيض من ذلك، لأنه تعالى هو علة كل المعلولات وعلة كل العلل الأخرى، ولما كان يعلم بذاته فهو يعلم بعلة كل المعلولات ويعلم بذاتياتها علما اكتناهيا. فهو يعلم بالذات والعلل لا بالعوارض والمعلولات. وهو أجلى وأكمل ما يكون العلم.

يقول ابن سينا: “واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما تحقق، ويعقل ما بعده، من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده. ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا.”[3]

“إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته، هو أفضل أنحاء كون الشيء مُدرِكًا ومُدرَكًا. “[4]

فبين علم يتعلق بعوارض العوارض ومعلولات المعلولات؛ وعلم آخر بالذاتيات وعلل العلل يقع طرفين؛ الفرق بينهما هو الفرق بين مقام الإنسان العبد الضعيف ومقام الإله الخالق القدير.

4

إن معرفة الإنسان ببعض العلل البسيطة؛ كمعرفته بعلل وأسباب الكسوف والخسوف– بما حصله من علم بعوارضهما واستنتج منه بعض القواعد- يمكنه من أن يعرف موعد كل كسوف وخسوف قادم وكيفيته وصفاته ومدته وهكذا. فما بالك بمن يعلم كل العلل! من المستحيل أصلا علينا إدراك أو تصور هذا الكمال ونحن العاجزون عن إدراك عوارض العوارض!

يقول ابن رشد موضحا تقابل العلمين: “بل يرون أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك أن علمنا بها معلول للمعلوم به فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره. وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل هذا، فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود. فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحداً، وذلك غاية الجهل.

فاسم العلم إذا قيل على العلم المحدث والقديم فهو مقول باشتراك الاسم المحض، كما يقال كثير من الأسماء على المتقابلات، مثل الجلل المقول على العظيم والصغير، والصريم المقول على الضوء والظلمة ولهذا ليس هاهنا حد يشتمل العلمين جميعاً.”[5]

ألم يئن للإنسان أن يعرف قدر هوانه وقيمته الحقيقية في هذا العالم، بعد أن عجز علمه ووقف حائرًا حتى عن إدراك نفسه التي بين جنبيه وجسمه الذي فيه محياه!

(قتل الإنسان ماأكفره) عبس- 17

[1]رسالة التوحيد، الأستاذ الإمام محمد عبده، دار المعارف القاهرة، الطبعة السادسة.
[2]رسالة التوحيد، الأستاذ الإمام محمد عبده، دار المعارف القاهرة، الطبعة السادسة.
[3]الإشارات والتنبيهات، لأبي علي ابن سينا، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق الدكتور سليمان دنيا، دار المعارف القاهرة، القسم الثالث “الإلهيات”، الطبعة الثالثة، صــ 278.
[4]الإشارات والتنبيهات، لأبي علي ابن سينا، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق الدكتور سليمان دنيا، دار المعارف القاهرة، القسم الثالث “الإلهيات”، الطبعة الثالثة، صــ 279 و 280.
[5]فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق محمد عمارة، الطبعة الثانية 1983، دار المعارف القاهرة، صــ 38 و 39 و 40.

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا