عقل عربي وواقع مأزوم
تمر مجتمعاتنا العربية على المستوى العلمي والثقافي بحالة من الهزال والضعف الشديدين، مما أدى إلى عدم قدرتنا على مسايرة الحركة العلمية والثقافية سريعة الخطى، فأصبحنا في مؤخرة الصفوف، وأصبحت المسافة بيننا وبين من هم في المقدمة جد بعيدة، ولم نعد طرفًا في معادلة التقدم العالمي، كما لم نعد مؤثرين، وإنما أصبحنا موطنًا لغزو ثقافي موجه، فبهتت هويتنا وغابت ملامحها.
وبطبيعة الحال فإن المجتمعات القوية تغزو غيرها وتفرض نفسها على أنماط الحياة الحضارية بشكل عام، وما على المجتمعات الضعيفة إلا أن تعزل نفسها عن مسايرة الركب الحضاري، أو تنساق خلف هذه المجتمعات المتقدمة مكتفية بما يتبقى على موائدهم من فتات، والاختياران أحلاهما مر.
هذه الحالة التي تفرض نفسها على الجميع تضعنا أمام عدد من الأسئلة، مثل: ما الذي جعل مجتمعاتنا في المؤخرة بعد أن كانت في عصر من العصور تحتل الصدارة؟! وما الذي جعل الغرب المتخلف إبان العصور الوسطى يصعد من القاع إلى القمة؟!
فترة الشبيبة للمجتمع العربي
وحتى نجيب على هذه الأسئلة، لا بد أن نطل إطلالة سريعة على هذه الفترة التي كانت بمثابة فترة الشبيبة للمجتمع العربي، وهي فترة العصر العباسي، هذه الفترة التي توحدت فيها الجهود واتجه فيها الجميع نحو هدف واحد، ألا وهو النهضة العلمية والفكرية، انطلاقًا من وعيهم بواقعهم، واقتناعهم بحاجتهم، واستجابة لأوامر دينية تحثهم على العلم والتفكير والإبداع وعدم إقصاء الآخر مهما كان،
فانفتحوا على غيرهم من الشعوب المتقدمة كاليونان والسريان، ونشطت حركة الترجمة في كافة المجالات: الطب، والكيمياء، والفلك، والعمارة، والموسيقى، والأدب، ولم تتوقف عمليات الترجمة على النقل والتقليد، بل وصل العقل العربي لمرحلة الابتكار والإبداع والتجديد، فحدثت نهضة علمية وثقافية جعلت المجتمع العربي موضع نظر من حولهم من الأمم والشعوب، ينهلون منهم العلم والمعرفة.
انغلاق العقل العربي
ولأن ديمومة الوجود في المقدمة أصعب من الوصول إليها، لم نستطع الحفاظ على هذه المكانة، وفي غفلة منا تسربت إلينا -عن قصد أو عن غير قصد- أفكار طغمة شعارها الدين، جعلت من الاجتهاد جريمة، واستدلت على ذلك بآراء ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبلها العذاب، بدعوى الحفاظ على العقيدة،
هذه الدعوة التي جعلت الكثيرين ينصاعون لها، فالإنسان يكون في أضعف حالاته أمام كلام يظنه أوامر دينية، ولم يعد من حقنا أن نقول كلامًا لم يَقُل به أحد قبلنا، حتى أصبحنا مطالبين بفهم الحاضر بنفس الكيفية التي فُهِمَ بها الماضي، فوقعنا تحت وطأة التقليد والتكرار، واكتسبت أقوال السابقين وأفعالهم قدسية تمنعنا محاولة النقد والتعليق،
فانغلق العقل العربي وجفت ينابيع التفكير لديه وفقد فاعليته، فاقفر الوجود من حولنا، هذا في الوقت الذي قرر فيه الغربيون عدم الاستكانة لواقعهم المزري الذي كانت تسيطر فيه الكنيسة بنوع من الكهنوت، فكانت تكَفِّر الفلاسفة والمفكرين لأنهم حاولوا التفكير والتغيير، وأَعْلَنَت محاكمَ التفتيش، وبالغت في القسوة والتعذيب ضد المعارضين والمفكرين،
وفي أغلب الأحيان كان هناك نوع من الاتفاق بين السلطة السياسية والسلطة الدينية المتمثلة في الكنيسة للسيطرة على العقل الجمعي للشعوب لمصلحة أصحاب السلطة، فأثبتت التجربة أن هذا من أخطر ما يكون، وأن ذلك وإن منح هؤلاء نوعًا من الوجاهة والسلطة، إلا أنه دمر العقل فجعلهم يعيشون في عصر ساده التخلف والانحطاط، فبدأ الفلاسفة والمفكرون بتصحيح المفاهيم الدينية التي كانت تجرِّم التفكير، ومن ثم انطلقوا إلى فضاء رحب حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
أسباب تخلف المجتمعات
ومن أهم الأسباب التي أدت بالمجتمعات العربية إلى حالة التخلف العقلي والجمود الفكري أساليب التربية التي تنتهجها الأسرة ويشارك فيها المجتمع بكافة أطيافه، هذه التربية التي تبدأ مع الطفل منذ تفتح وعيه وإدراكه، فإذا بدأ يفكر وينقد ويختلف مع أبيه وأمه يُواجه باللوم والتعنيف،
وإذا كَبُرَ ونقد معلمه وأستاذه يُقَابل بالعقاب والتخويف، وإذا نقد كلام السلف يُتَّهم بالتخوين والتحريف، وإذا وإذا…، حتى لم يعد من حقه أن ينقد أو يختلف مع من له السلطة عليه، وأصبح النقد والاختلاف في الرأي جريمة يُعَاقَبُ عليها المختلف، فآثر الكثير السلامة والرضا بالأمر الواقع،
وهكذا أصبح مدلول كلمة (النقد) مدلولا سيئ السمعة، وصار قولنا: (إننا ننقد فلانًا)، يعني أننا نبحث عن عيوبه وأخطائه للنيل منه وإنقاص قيمته وقدره!! في حين أن النقد يعني إبراز نقاط القوة والضعف للتقويم والإصلاح، وإن عملا من غير نقد مصيره الخسران، كما أن النقد هو الكيفية المثلى للوصول إلى الاقتناع بما نعتقد،
هذا الاقتناع الذي يدفعنا للانطلاق الواثق نحو تحقيق ما نريد. وقد غفل الكثير عن أن التفكير والنقد لكافة الأمور واجب ديني، فليست الاعتقادات مجرد أشياء موضوعة على أرفف الذاكرة، ننفض عنها الغبار فقط من أجل استخدامها في جلسة أو مناقشة، بل هي أكبر وأهم من ذلك بكثير،
فمعتقداتنا تسيطر على مجرى حياتنا، وكلنا يتحرك في هذه الحياة وفق ما يعتقد، ومن هنا فإن أمورًا عظيمة تتوقف على قناعتنا بصحة اعتقادنا، وإن السلوك الإنساني لن يكون مثمرًا ما لم يرتكز على معتقدات صحيحة -على الأقل عند صاحبها، أما السلوك الذي يفتقر إلى معتقد راسخ يظل هشًا خاويًا لأنه ناتج عن الخرافة والتخمين والتقليد.
حتى نغير الواقع المأزوم
ومن هنا.. إن كنا نريد أن نغير واقعنا المأزوم بواقع مشرق، فيجب علينا استبدال أنماط التعامل المبنية على القمع والتسلط والتخويف، بأنماط تحفز على التفكير والنقد والإبداع، عبر أيدولوجية يتبناها الجميع فالأمر ليس مستحيلا.. ويبقى الرهان على الإنسان.
اقرأ أيضاً:
السياج الأخلاقي القيمي وأزمة التربية العربية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.