إصداراتمقالات

ملحد بــ…الفطرة

ملحد بــ…الفطرة

1

كتب صديقي الملحد على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي؛ ألا مشكلة عنده في وجود الإله من عدمه، لكن مشكلته هي كيف يؤمن الناس به؟ وكيف يؤمنون بأمر بهكذا أهمية دون دليل قاطع واضح؟ وكيف يمكن أن يكون الإله بهذا الظلم فلا يعطينا أدلة قاطعة وواضحة على وجوده؟

على الجهة الأخرى نجد أقوالًا مثل: “شعب متدين بطبعه”، “الدين أفيون الشعوب”، “التدين أمر فطري” و”معرفة الله فطرية”. فما مدى صحة هكذا كلمات؟

2

اضغط على الاعلان لو أعجبك

عندما سقطت التفاحة بجوار نيوتن؛ امتلأ صدره إيمانًا بأن سقوطها لا بد له من سبب، آمن بوجود هذا السبب قبل حتى أن  يعرفه أو يفهمه أو يراه أو يثبته. وفي كل معمل من معامل الكيمياء يتحرك الباحث بثقة ليختبر مادة ما من مواد المعمل؛ مؤمنًا  أنها إما حمضية أو غير حمضية، ومن المستحيل أن تكون حمضية وغير حمضية في نفس الوقت والمكان وتحت نفس الظروف. ويؤمن كل رجل أعمال في هذا العالم بأن مليونين أكبر من مليون واحد! وأن ثلاثة ملايين أكبر من اثنين وأعظم!

ويستحيل أن تقنع طفلًا بعد أن أخذت منه الحلوى أنها مازالت موجودة معه لكنها غير موجودة في نفس الوقت! أو أن قطعة واحدة منها أكثر من ثلاث قطع! أو أنها اختفت منه بلا سبب أو فاعل فلا يمكن إعادتها له!

 3

الفطرة هي كلمة عربية تعني “تركيبة الخلقة الإنسانية”، وتستخدم للتعبير عن الظواهر الثابتة بشكل من الأشكال في كل الأجيال. وليس معنى شمولية الفطرة أنها موجودة دائما حية يقظة في أقوى حالاتها، بل يمكن أن تعلوها طبقات من التربية أو  المعتقدات أو الآثار الاجتماعية. وهذا معنى منتزع من استقراء التاريخ.

أما بالقياس العقلي؛  فإن الأمور التي يمكن أن تسمى فطرية هي الأمور التي تقتضيها خلقة الموجودات وتركيبتها الذاتية.  ولما كانت متعلقة بذات الموجودات؛ وجب كونها في كل الأفراد، وثبوتها على امتداد التاريخ، وألا تحتاج إلى تعليم أو معلم، أي لا تحتاج لاكتساب.

وتنقسم الأمور الفطرية إلى المدركات الفطرية، والدوافع الفطرية، وطريقة التفكير الفطري.

والمدركات الفطرية في كل إنسان هي أمور مثل: استحالة اجتماع النقيضين في مكان واحد ووقت واحد ومن جهة واحدة، ومنها أن الكل أعظم من جزئه، وأن لكل نتيجة سبب ما أو لكل معلول علة.

وهذه المدركات عند تأملها نجدها عند الطفل كما نجدها عند العالِم!

بل هي موجودة عند كل إنسان بالضرورة. ويعتبرها البعض أساسيات المنطق والمعرفة الإنسانية. هذه الأمور يؤمن بها كل البشر ويتصرفون وفقها بشكل بدهي وإن لم يعرفوا ذلك أو أنكروه!

ومن الفطرة أيضا في الإنسان؛ طريقة التفكير القياسي، كأن يقال: هذا مصري، وكل مصري عربي، فيستنتج بدهيًا أن هذا عربي! فهي طريقة فطرية للتفكير، سهلة لكل إنسان، وتحدث عنده بشكل تلقائي.

وأما الدوافع الفطرية؛ فيختصرها البعض بالسعي نحو الكمال، أو السعي نحو المتعالي. فكل حركة إنسانية تهدف لنوع ما من  الكمال، إما جسدي كالأكل والشرب، وإما عقلي أو نفسي. فلا توجد حركة يتحركها الإنسان هادفًا فيها إلى النقص! بل  إن الانتحار نفسه هو هروب من الأسوأ والنقص إلى الراحة المتوهمة؛ فهو هنا بالنسبة للمنتحر بحث ما عن الكمال وإن ضل طريقه! وحتى من لا يؤمنون بوجود كمال مطلق يتحركون باستمرار نحو الكمال المادي، والمتعالي المادي، في صورة شهوة أكبر أو مال أكثر، وهكذا.

والفن هو نزوع نحو الكمال الجمالي، والعلم هو طلب كمال الحقيقة، والنظم السياسية هي طلب كمال العدل في المجتمعات، وهكذا.

 4

 لكل نتيجة سبب، ولكل معلول علة.. بدهية عقلية ومدرك فطري في كل إنسان.

هي مقدمة ثابتة لإثبات وجود الإله، ينطلق منها الإنسان بالتفكير القياسي البدهي فيقول: العالم منظم، وكل منظم لا بد له  من ناظم. أو العالم متحرك، وكل متحرك لا بد له من محرك. أو أن كل وجود ممكن لا بد له من مصدر لهذا الوجود؛ يفيض عليه من وجوده الذاتي.

ثم يتحرك نحو هذا المصدر، نحو هذا الكمال ونحو هذا المتعالي، بفطرته الساعية لكل كمال، فيعبده ويخضع له! فالعبادة ما هي إلا ديمومة طلب الكمال المتعالي والحق الجامع للكمالات.

 5

لذا أتفق مع صديقي الملحد !

إن وجود الإله –هذه المسألة الكبرى- لم يكن عدلًا أن يحتاج الإنسان لإثباتها إلى ما يعجز عنه، ولم يكن عدلا من الإله أن يجعل استدلالنا عليه صعبا، وعبادتنا له صعبة ومخالفة لفطرتنا.

لذا أعطانا من الفطرة مقدمة بديهية تثبت وجوده، وأعطانا سعيًا ثابتًا نحو الكمال.. أي نحوه! وكل ما كلفنا إياه هو قطع المسافة الضيقة بين المقدمة البدهية والنتيجة، ثم أعطانا آلية قطع هذه المسافة بالتفكير القياسي الممكن لكل إنسان. فلا إثبات وجوده بأصعب من التأمل قليلًا في النفس أو  الكون، ولا عبادته مخالفة لما جبلنا عليه.

فالنفس فطرت على هكذا وصول، وفطرت على هكذا معرفة، وعلى هكذا عبادة.

“وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ” [الأعراف:172].

 

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا