إصداراتمقالات

البقاء للأسوأ

أنت حيوان، كنت هكذا ولا زلت، ويجب أن تستمر! وهذا يا عزيزي ليس رأيي – لا قدر الله – ولا رأي داروين وحده مثلا! بل هو رأي قطاعات واسعة من العالم كله اليوم التي اعتنقت الداروينية مذهبا اجتماعيا عن طريق اسقاطاته العلمانية! رأي النظام الذي يحكم العالم ورأي كثير من حاكمي ومحكومي العالم؛ يمتثلون له حتى وإن لم يعلموا حقيقته.

كنت حيوانا! أبواك لم تسجد لهما الملائكة، ولم يصنعك الله بيديه ولم ينفخ فيك من روحه، بل أنت قرد قرر يوما ما في غابات أفريقيا أن ينتصب واقفا كما تقف اليوم، وحدثت طفرات في جيناته أدت إلى زيادة ذكائه؛ فلا تتميز عن باقي القرود إلا بالوقوف منتصبا وبزيادة في الذكاء (لا بالعقل) ناتجة عن زيادة تعقيد في البنية التشريحية لمخك العضوي، ولا ننسى الإبهام المعجز. أحد آبائك هو الحمار، وجدك الأكبر هي “الأميبا” فهنيئا لها! لكن ليس كل القرود حظوا بالفرصة العظيمة لكي يوضعوا في شجرة عائلتك؛ بل الأقوى والأفضل منهم فقط، فهنيئا لك هذا النسب الأقوى والأفضل. أما لماذا بقيت “الأميبا” لليوم ولماذا لم تتطور كلها؟ ولماذا لم تنقرض التي عجزت عن التطور؟ وأين الحلقات الموصلة بين القرد والإنسان بل وبين الكثير من أجدادك؟ أين الكائن الوسيط؟ ما اسم جدي هذا؟ فهذه أسرار العائلة .. فتأدب!

وأنت حيوان الآن، فيجب أن تلتزم بحيوانيتك وحيوانية العالم وماديته وجسديته الطاغية.. عالم الشهوة؛ البطن التي لم تشبعها أطنان الوجبات السريعة وفلكية السعرات؛ ذات المنظر المغري والحجم الكبير الذي يزيد حجمه كل يوم حتى فاق قدرة معدتك التي ربما لم تتطور بما فيه الكفاية بعد! والتي لم يروي ظمأها أطنان الخمر السائل وغير السائل. وشهوة الفرج التي اجتاحت كل شيء، فكيف تسوق سلعة دون امرأة عارية (أسخن) من سابقتها؟ كيف تزيد المبيعات دون مزيد من الشهوة؟ وهنا أيضا البقاء للأفضل، للعارضة الأفضل والجسد الأفضل. لكن هذا غير كافٍ؛ نريد المزيد من الربح باسم الشهوة وفي سبيلها؛ إذن الإباحية هي الحل، لا شيء أكثر ربحا اليوم! لكن هذا غير كافٍ؛ إذن فانصب شبكات تجارة النساء، وتوسع في إمبراطوريات الدعارة، لماذا لا نستخدم نساء العالم الثالث والدول الراغبة في التنمية؟ لماذا لا نستخدم مظلات دبلوماسية وأممية لتسهيل مرور الرقيق الأبيض بين الحدود؟ اشرب عزيزي وانتشِ فأنت الأقوى والأفضل، أقوى من كل الحيوانات! وأفضل من أنجبته الطبيعة الهمجية! أنت أفضل شهوة وأفضل غضب .. فهنيئا لك!

ويجب أن تظل حيوانا لكي تضمن البقاء ، وتضمن ذريتك البقاء ، كما فعل أجدادك العظام، إن هذا هو الطريق الوحيد للرقي والتطور! يجب أن تقتل جارك وأن تطهر الأرض من دنس منافسيك على الشهوة، حرر غضبك عزيزي، حرر حيوانيتك التي ضمنت لك البقاء ملايين السنين، حررها واستمر حيوانا لكي تعيش، فالبقاء لذوي الدم البارد وليس كما خدعوك في الكتب، البقاء للأكثر قدرة على سفك الدماء، والاستيلاء على أرض جاره، واستعباد هذا الشعب، وإبادة ذلك، للأكثر قدرة على قلب الحقائق واستعباد العقول، وإحقاق ما يريد بالقوة، استولِ على أرضهم وخذ خيراتهم واقتل أبناءهم واستعبد رجالهم واستحيي نساءهم فأنت الأقوى! والحق هو القوة! دعنا نخلص الأرض من هؤلاء الحقراء الضعاف؛ لم يزيدوها إلا ضعفا، دعنا نتطهر من دنس بدائيتهم وهمجيتهم لنصل لهمجية أقوى وأعظم! غضبتنا وصلت أوجتها فلا تخدعنك رحمة ولا يوقفنك عقل! إن الصراع حتمي ومستمر فكف عن التظاهر بالعكس ولانهائي تحكمه نفس القوانين ونفس الحتمية!

وانتظامك الاجتماعي حيواني بالكامل! سواء اتخذ صورة الأسرة أو القرية أو المدينة أو النظام العالمي كله؛ فكلهم تجسيد للغابة البدائية! تحكمهم نفس القوانين التي حكمت أجدادنا العظام! قوانين الغاب التي تهدف للبقاء وللحياة وفقط! وهذا هو قمة الانتظام الاجتماعي! ” البقاء ” هو المثال الأعلى والمطلق والوحيد؛ وليس العدل أو الصدق أو هذه التفاهات التي تؤدي للضعف والانقراض وتحجم القوة وتلجم الغضب،هذه التفاهات لم يعرفها أجدادنا قط؛ فكف عن البدع! الصراع مستمر، والأصلح هو الأقدر على البقاء أيا كانت صوره وأشكاله!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لا تحدثني من فضلك عن أن غياب هذه المثل سيؤدي بالفناء والدمار حتما، وأننا ننستهلك الأرض ومواردها – بما فيه الغابات الغالية علينا- كما لم تستهلك في تاريخها، وبأننا نبيد أنفسنا؛ ونزيد قوتنا العسكرية إلى الحد الذي يهدد البقاء نفسه! ونزيد الشهوة لذاتها دون تحمل أي تبعية كالزواج أو المسئولية أو التربية باسم الرحمة أو الفضيلة؛ فالجنس للجنس ذاته! والشهوة للشهوة! حتى وإن أدى ذلك لانخفاض المواليد وتهديد البقاء نفسه! لا تحدثني عن ذلك فالعالم أبسط من تفلسفك النظري اللاواقعي! الجنس واقعي! والبندقية واقعية! والصواريخ أكثر واقعية! فاسكت عن تفاهاتك!

القوة والصلاحية على البقاء تتوارث عبر الأجيال؛ فأولادي أفضل من أولادك لأنني تمكنت من قتلك أولا! وحقوق بني شعبي في البقاء والتطور مستمرة لأنهم اليوم الأكثر قدرة على إفناء الآخر! إن وجود مساواة مبدئية بين الأنواع أو بين أعضاء الجنس البشري مستحيل كما ترى يا صديقي! والتفاوت الثقافي أو الفكري له أساس بيولوجي حتما فأنا أفضل بالقوة وبالفعل، أما أنت فأسوأ بالقوة وبالفعل! والتفاوت الطبقي حتمية كما ترى مبررة بقوتي وقدرتي وعجزك الطبيعي المثير للشفقة!

إنها العلمانية الشاملة يا عزيزي، نحن في المركز الآن والنبع الذي أفاض علينا بجواهر العلمانية الشاملة! بالصهيونية والإمبريالية والاستعمار! فالفقراء في المجتمعات الغربية وشـعوب آسـيا وأفريقيا (والضعفاء على وجه العموم) هم الذين أثبتوا أن مقدرتهم على البقاء ليست مرتفعة، ولذا فهم يستحقون الفناء أو على الأقل الخضوع للأثرياء ولشعوب أوربا الأقوى والأصلح والأرقى!

يا له من عالم لطيف جميل! طبيعة خلابة! الإمبريالية! عالم (دارويني) رائع!

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا