مقالات

الويل الويل لمن له ذيل

تعد مسألة التوافق الفكري بين شاب وفتاة أو بين رجل وامرأة أهم ما يُعول عليه عند اختيار شريك الحياة، “يكفي أن نكون متفاهمين” قالها صديقي ونحن في مقتبل عمرنا وفورة شبابنا نبحث عن (بنت الحلال) وصلاح الحال، قالها وهو موقن بالإجابة! فما وجدني إلا مخالفا لرأيه ناقدا لفكره .

قلت: “يا صديقي قد تتوافقان وتتفقان على أن تتخليا عن حيائكما وتسيران في الشارع وقد نزعتما عنكما لباسكما الذي يواري سوءتيكما، أليس هذا توافقا فكريا واتساقا عقليا بينكما؟ أو أنكما تتفقان على عدم إنجاب الأطفال والانزعاج بتربية العيال؟ فهل ذاك الذي من أجله خلقنا (عبادة الخالق وعمارة الأرض)؟

المسطرة أو البوصلة

-يا صديقي لا بد من مسطرة أو بوصلة…

– ماذا تقصد بالمسطرة؟ وأي مسطرة ؟

– يا صديقي حين تقيس أمرا ماديا تحتاج فيه إلى مرجع، فنقيس المساحة بالمتر المربع والأوزان بالكيلو والجرام، والأزمان بالساعات والأيام، ولولا وجود تلك المعايير لما صلحت حياتنا وما استمرت علاقاتنا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

حتى في زمن المقايضة السحيق حين تقايض تمرا ببُر لا بد من معيار يحدد السعر، وأيهما أكثر قيمة فيخف وزنه ويعلو ثمنه.

وفي الأخلاق لا بد من مسطرة حاكمة لكل أمر متعلق بالقيم العليا، ولا يكاد يوجد مجتمع إلا ويوجد معه ميثاق للشرف والأخلاق، وإن بدت بعض المجتمعات متفسخة أخلاقها ظاهريا أو بشكل مؤقت، وحتى لو أقرت في بعض قوانينها بما يخالف القواعد الحاكمة للأخلاق والقيم العليا كالعدل والصدق والأمانة فإن ذلك إنما يحصل -غالبا-  لمكاسب سياسية أو فئوية لا لمصلحة المجتمع ككل، لذا فإن ضميرها الجمعي يرفض ذلك وإن لم يستطع تغييره.

الفارق بين التعاليم الإلهية والأمور الدنيوية

ولقد تركت لنا الشريعة الإسلامية على سبيل المثال مساحة للحركة والحرية في الأمور الدنيوية فـ (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، وفي الفقه الإسلامي ما يسمى بالمصالح المرسلة، والتي تعطي مرونة في تطبيق الأحكام بما يخدم مصالح المجتمع، كما يعني أن تعطي لكل مجتمع خصوصيته،

ومما يذكر في ذلك (الملابس)، ففي معظم المجتمعات اتفق أن أنماطا معينة من الملابس هي للنساء وأخرى للرجال، فإذا شذ أحدهم أو إحداهن في ذلك عُد شاذا مقارفا منكرا من المنكرات، لكن نفس تلك الملابس في بعض المجتمعات ليس لها أي علاقة بالتذكير والتأنيث كما في إندونيسيا فلا تكاد تفرق بين ذكر وأنثى باستخدام عامل الملابس، وغيرها من الأمثلة.

فالملابس وغيرها من الأمور الدنيوية تختلف عن التعاليم الإلهية مما أفاء الله به على رسله، وأودعه في كتبه، ليبثوه في الناس من قواعد الأخلاق الرفيعة والقيم العليا، فخالق الإنسان يعلم ما في نفسه ويعلم ماذا يكسب غدا، وهي الأولى بالاتباع والأحق بالانصياع، لما فيها من الدراية والهداية وضبط المصلحة العامة مع الخاصة.

مكر الثعالب

إذن لا بد لنا من مسطرة نقيس عليها أعمالنا ومكيالا نكيل به تصرفاتنا وميزانا نضع عليه أقوالنا. وربط أقوالك وأفعالك بالمسطرة إنما هو لضبط أداءك وإعادة توجيه بوصلتك. حتى المجتمعات والمؤسسات الحديثة ابتكرت مثل تلك المساطر لقياس الأداء لدى العاملين بها، فأنشأت قسم ضبط الجودة Quality Control واتخاذ نماذج معيارية لقياس الأداء وتصحيحه.

وهنا نستذكر سويا قصة الثعلب الذي قُطع ذيله حين وقع عليه حجر، فلما رآه ثعلب زميل سأله: “ما الذي حدث بذيلك؟”

قال: “قطعته”.

قال: “ولم؟! كيف تفعل ذلك بذيلك الجميل؟”

قال له: “إني أشعر وكأني طائر في الهواء، يا لها من متعة كبيرة! وبمكر الثعالب أقنعه أن يسير سيره وأن يقطع ذيله، فلما أفاق ولم يجد ما وعده صديقه من متعة بل وجد الألم عض أصابعه من الندم، سأله: “لمَ كذبت علي؟”

قال: “لما قُطع ذيلي رأيت أني سأصبح في مجتمع الثعالب منبوذا ويصير فعلي سُبة في جبيني ومدعاة لسخرية أقراني، فأردت أن أغير القوانين وأصير غالبا لا مغلوبا، وأنت الآن معي، وإنْ أخبرتَ الثعالب بـما حدث لن يقطعوا ذيولهم، وسيسخرون منا وربما يعاقبوننا بالنفي!”، فـظلوا يخبرون كل من يجدوه بمتعتهم الكاذبة، وبسعادتهم الزائفة حتى أصبح الأغلبية دون ذيل.

فعلوا ذلك لأنهم لا يمتلكون تلك المسطرة، فكانت أفعالهم وفقا لأهوائهم ووفقا لقدرة المقنعين على الحجة والإقناع، فأصبح عندهم “الويل الويل لمن له ذيل!”.

اقرأ أيضا:

الإنسان والمعايير المزدوجة

القول بأن الحقيقة نسبية اعتقاد باطل وشر

الواجب الأخلاقي ودلالاته عند إيمانويل كانط 

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. أحمد منصور

دكتوراه الجغرافيا، كلية الآداب جامعة بنها