مقالاتفن وأدب - مقالات

هل روجت سينما الانفتاح لقيم النفعية والمادية؟

في منتصف السبعينات ومع اتخاذ الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي _وهو ما أُطلق عليه “السداح مداح”_ حدثت تغيرات اجتماعية كبيرة وتغيرت التركيبة الاجتماعية لهذا المجتمع، وكان من الطبيعي أن ترصد السينما هذه التغيرات وتُحذر مما قد يحدث نتيجة لهذا الخلل الكبير في تركيبة المجتمع ومنظومة الأخلاق، حيث ظهر أكثر من عمل يرصد ويحلل ما حدث، بل ويتنبأ بالقادم نتيجة هذه السياسة.

“سواق الأتوبيس”

أحد أهم أفلام المرحلة وأهم أفلام السينما المصرية في تاريخها، تناول مجتمع الانفتاح وقيمه النفعية الفاسدة من خلال حسن سلطان سائق الأتوبيس والذي يعمل على تاكسي ليلا لتحسين دخله، يدخل في صراع مع ظروف صعبة وأهل متخاذلين من أجل الحفاظ على ورشة ومنزل الأب، حسن الذي حارب من أجل الوطن في أكتوبر وانتصر له، عاد من الحرب ليواجه قيم المجتمع الذي حارب من أجله، ولكن يهزمه هذا المجتمع بقيمه الجديدة، مثل أبيه المعلم سلطان الذي انتصر للمجتمع في شبابه عندما واجه الاحتلال الإنجليزي، ثم انهزم في كِبره أمام هذا المجتمع المادي القاسي، وينتهي الحال بهزيمة حسن ووفاة سلطان وتمزق الأسرة وبيع البيت الكبير، بينما يُطلق حسن صرخة مدوية في وجه الجميع.

“أهل القمة”

واحد من أشهر الأفلام التي تناولت تغير الهرم الاجتماعي وصعود شريحة نفعية عشوائية إلى قمة الهرم وهو ما يظهر من خلال اسم الفيلم، حيث تدور أحداث الفيلم حول نشال “زعتر النوري” ورحلة صعوده إلى أن يصبح أحد كبار المهربين في البلد بمساعدة لص أكبر، والذي يتعامل معه الجميع على أنه رجل البِر والتقوى، وفي المقابل نرى ضابط الشرطة الشريف يعيش صراعا كبيرا بين ضميره المهني وبين ثغرات القانون التي يتحايل عليها هؤلاء المهربون، كما تقع ابنة أخته في حب هذا اللص ويفشل في منع هذا الزواج، وينتهي الحال بالزواج ومباركة الجميع بعد أن تغيرت الأحوال وأصبح رجل أعمال كبيرا بينما يعود ضابط الشرطة من حيث أتى، يغرق في زحام الناس ومشاكلهم دون حل أو مواجهة.

“انتبهوا أيها السادة”

أحد الأعمال التي رصدت هذا الواقع السيئ، من خلال صراع بين أستاذ جامعي وبين رجل أعمال كان في الأساس جامع قمامة ثم عمل بتجارة العملة والمخدرات ثم المقاولات، حتى كوّن ثروة كبيرة استطاع بها الزواج من خطيبة الأستاذ الجامعي التي لم تستطع تحمل مشاكل خطيبها المادية وفقره، وينتهي الحال بالأستاذ الجامعي مهزوما مُحبطا يقف حائرا بين تمثال نهضة مصر وعربة القمامة، في إشارة لواقع بلد ومجتمع بين العلم والنفعية والعشوائية، وأي القيم التي سوف تنتصر، وجاء اسم الفيلم كإشارة تحذيرية لما هو قادم إن لم ننتبه.

“السادة المرتشون”

تحدث عن ضعف القانون أمام مجموعة من رجال الأعمال الفاسدين ومعاونيهم من موظفي دولة، تلاعبوا بالقانون وحققوا مصالح وثروات من خلال تسهيل الفساد لبعض رجال الأعمال من تجار الأغذية الفاسدة، وكيف كانت الدولة بشكل عام عاجزة عن مواجهة هذا الطوفان من الفساد والإفساد، وكان ذلك من خلال صراع بين رجل أعمال فاسد وموظف مرتشٍ وضابط شرطة حاول عبثا إظهار حقيقة الصفقة القذرة بين رجل الأعمال والموظف، واعتقد الجميع أن الضابط يسعى للانتقام من الموظف بعد صراع بينهم على حبيبته، وينتهي الفيلم أيضا بإشارة تحذيرية من خلال صافرات عربات الشرطة والإسعاف التي تسير في كل شوارع المدينة، في إعلان عن انتشار الفساد وتسمم المجتمع من الانفتاح الذي سمح لهم بالتواجد والتوحش، بينما يسير ضابط الشرطة وسط الصافرات التحذيرية مُحبطا ومهزوما بعد قرار إيقافه عن العمل وتحويله للتحقيق.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

دور الفن الخطير

أفلام كثيرة تناولت ما حدث لمجتمع الانفتاح وضرب منظومة القيم والأخلاق في مقتل، ولكن بشكل أو بآخر روجت هذه الأفلام لقيم النفعية والمادية عندما أظهرت الفاسد بشكل الرجل القوي الذي لا يخاف القانون بل ويخافه الجميع والذي حقق ثروة كبيرة بكل سهولة، بينما يظهر الشريف في صورة الرجل الضعيف المهزوم غير القادر على التعامل مع هذا المجتمع وقيمه الجديدة، وإما أن ينسحب أو يعيش على الهامش،

وأصبح هناك متلازمة عجيبة بين الغنى والفساد، وبين الفقر والشرف، وبين الطموح والشر والطرق غير المشروعة، نجحت السينما في رصد ما حدث للمجتمع من تغيرات، لكنها من زواية أخرى ساعدت في ترسيخ هذه القيم التي كانت ترغب في مواجهتها عندما قدمتها بشكل جاذب ومُغري لأصحاب الهمم الضعيفة والمحبطين من الواقع المؤلم، عدد قليل من الأعمال نجح فيما صُنع من أجله، بينما العدد الأكبر فشل في ذلك وأدى إلى نتيجة عكسية،

والسبب هو غياب الرؤية والهدف من تقديم عمل فني، هل هو تقديم ما هو رائج وناجح؟ أم تقديم رسالة تحذير ورصد لواقع سيئ؟ اختلاف الهدف بالطبع أدى لاختلاف الأسلوب والنتيجة، وهو ما يؤكد أن للفن دورا خطيرا للأسف لا يعرفه كثير من العاملين به والممارسين له.

اقرأ أيضاً:

السينما العالمية والشرق

السينما قوة لا يستهان بها 

الفن الشرقي وتجسيد الأنبياء

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.