مقالات

المادية هلاك للإنسانية – الجزء الخامس

حان وقت التغيير

من جملة الأسباب للتوجه نحو الفكر المادي بالإضافة لما ذكرناه سابقا؛ جملة من المفاهيم الاجتماعية القاصرة التي كان يعاني منها المجتمع الأوروبي في نهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث.

حيث إن عدم نضج المفاهيم الاجتماعية والسياسية حول مجموعة من الحقوق الطبيعية للفرد والمجتمع -خاصة فكرة الحكم- له بالغ الأثر نحو التوجه نحو المادية.

ففي تلك الفترة من حياة أوروبا لم يكن هناك اعتراف بأي حق لجماهير الشعب، فليس لها إلا أن تطيع وتخضع، ولأجل تثبيت هذا الاستبداد وتقويته سعى هؤلاء إلى ادعاء أن الحاكم مسؤول فقط أمام الله لا غير؛ مما أدى لحدوث ملازمة في الأذهان لدى الغربيين، بين الحكم الشعبي الحر من جهة وإنكار وجود الله من جهة أخرى، كما حدث ملازمة بين أن الاعتقاد بوجود الله يلزم التسليم لحكام أوربا في ذلك الوقت بكل ما يمارسوه من ظلم ضد الناس.

وكانت لتلك الممارسات الظالمة أسوأ الأثر في نفوس الناس، حيث تم ترسيخ فكرة أن العبادة للإله قرينة العبودية للحكام والشقاء في الدنيا.
يقول راسل ( إن تعليمات الكنيسة تجعل البشرية بين أحد شقين وحِرمانين، فأما شقاء الدنيا والحرمان فيها من النعم، وأما شقاء الآخرة والحرمان من حورها وقصورها ).

الظلم وعلاقته بالفكر المادي

فما كان من المجتمع بعد كل هذا الخلل في أغلب جوانب الحياة، غير التمرد والرفض لكل ما هو ديني وغيبي كردة فعل لما حدث لهم باسم الدين.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فوقع المجتمع في ثنائية إما الدين أو العلم؛ فمال المجتمع نحو تقديس العلم بدلا من ذلك، ووجد في رفض القيم والأخلاق كما ظن مفكروه فرصة مناسبة للحصول على النعم والشهوات التي حُرموا منها باسم الدين بعد ما أثبتوا أن كل ما كان يقول لهم باسم الدين هو خداع وقعوا فيه!

لقد اتخذت المادية جاذبية لنفسها بأنها ( ثورية ومخلصة ) من الظلم والحرمان الذي وقع على الناس في ذلك الوقت، وقد امتدت تلك الجاذبية حتى وقتنا هذا.
فقد ترسخ في أذهان الناس بأن المادية مرادفة للحرية، والاعتقاد بوجود خالق ووجود قيم وحياة بعد الموت هو مرادف للعبودية والظلم.

وهذا اعتقاد خطأ بكل المقاييس؛ فكل الصراعات والحروب والظلم في عالمنا المُعاصر هي صراعات يقودها أصحاب الفكر المادي، كما لم تنتهِ العبودية والظلم للبشر بتبني المادية، فما نشهده اليوم من زيادة معدلات الفقر والانحراف في العالم لا يمكن إنكاره.

كما لا يخفى على أحد كمية المشكلات الاجتماعية والنفسية والسلوكية التي تعاني منها البشرية، فما شهده العالم في الحرب العالمية الأولى والثانية مرورًا بالحملات الاستعمارية التي تعرضت لها أغلب دول العالم، والصراعات الجديدة في الكثير من المجتمعات ما هي إلا نتاج للظلم الذي كان نتيجة الفكر المادي الرافع لشعارات وهمية يتم الدفع بها لزيادة العبودية والسيطرة على مقدرات الناس والشعوب.

وبعد كل ما ذكرناه يجب أن نخلص لمجموعة من النتائج المنطقية كنتيجة لما سبق

أولًا؛

يجب علينا إعادة التفكير في الرؤية المادية حول طبيعة الوجود والقيم والعلاقات، بشكل علمي معقول مُبرهن عليه.

ثانيًا:

يجب إعادة النظر في كل النظريات الاجتماعية والفكرية والثقافية التي أنتجتها المادية ، والتي كان لها بالغ التأثير السلبي على قيم المجتمعات من قيم أسرية وسلوكية بين الأفراد، وأن نفتح الباب لعملية نقد لكل المحصلة الفكرية للمادية.

ثالثًا:

يجب تبني منهجية قائمة على المنطقية والعقلانية سواء على مستوى النقد أو مستوى إيجاد البديل المناسب، حتى لا نقع فريسة للثنائيات غير المنطقية أو الخلل الفكري في الرصد والتحليل.

رابعًا:

يجب التأكيد على أهمية القيم والأخلاق مرة أخري كمقدمة لإعادة البشرية إلى جانب سُلِب منها تارة باسم الحرية وتارة أخري باسم المنفعة والمتعة.

كل ذلك لا يمكن أن يتم إلا بالاعتراف بخطر المادية والمصير المظلم الذي تسوق البشرية إليه، وهو المزيد من التسافل والانحطاط في أغلب نواحي الحياة، وهذا لا يعني رفض التقدم العلمي والتكنولوجي الذي كان من النتائج الإيجابية لتقدم العلم؛ بل ندعو لتسخير هذا العلم وهذه المعارف لخدمة البشرية وتوقف عجلة الحرب والدمار الذي يشهده عالمنا اليوم.

اقرأ أيضا:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الجزء الثالث من المقال

الجزء الرابع من المقال