إصداراتمقالات

شتاء المحرومين

مع البرد  في شتاء قارص، نجد أن الحملة النبيلة التي يتبناها ثلة من الشباب الشاعرين بالمحرومين والمستضعفين -الذين تتزايد أعدادهم بشكل مخيف- نجدها حملة تعبر عن إنسانية لازالت موجودة عندنا، جزاهم الله خيراً.

لكن هذه الحملات الموسمية التي تدعو للتبرع بالبطاطين وأدوات الإعاشة وغيرها تشبه المسكن للألم الذي يزول أثره بزول العقار. إنها عينة من مشكلات تضرب وطننا وشعبنا ، وعلاجها الجذري هو في تغيير كامل في المنظومة القائمة بأبعادها الفكرية والسياسية والاقتصادية، يتبعه منهج عادل لا يسمح بسيطرة حفنة من الانتهازيين على مقدرات الشعوب، منظومة تعتبر النظام خادماً للشعب لا مالكاً لقوته، وتعتبر العدالة هدفاً قيمياً أصيلاً لا بديل عنه وتكون الديمقراطية إجراء لتحقيق الهدف لا أنها – أي الديمقراطية – هدف بحد ذاته !

إن مجيء مثل هذه المنظومة تعني بلا أدنى شك تفكيكاً تاماً للمنظومة الحالية القائمة على فكرة التحالف بين رأس المال والسلطة (ببعدهما المحلي والإقليمي والدولي) لتعظيم رأس المال عند أصحاب المال و تعزيز السلطة والسطوة عند الحكام. وهو تفكيك سيقتضي بالضرورة وبحكم تشابك المصالح وتعقيدها إلى الاشتباك من أصحاب النفوذ الحقيقيين ومالكي مفاتيح السياسية والاقتصاد والأمن في المنطقة الذين يدور وطننا المأزوم في فلكهم منذ بضع عشرات من السنين.

مثل هذه الفكرة تحتاج بالضرورة لمنظرين ولبديل كامل ورؤية إحاطية شمولية ذات فكرة صلبة متكاملة ومطابقة للواقع وقابلة للتحقق ، ثم استراتيجية متماسكة متولدة بشكل سلس من روح الفكرة ، ثم خطط وآليات وتكتيكات للوصول بها إلى شرائح المجتمع المؤثرة لتتبناها وتكون ظهيرها الشعبي.

إن هذا العرض الذي لا أظن أحداً سيختلف عليه (ممن لا يزالون بهمّ الوطن والشعب منشغلين) شكلاً وإن كان مضموناً مما لا يمكن اختزاله في بضعة أسطر . ولكنه غير قابل للتحقق بغير معرفة وعلم وتفكير وفكر ونخب (بمعناها الصحيح) تتشرب المعرفة فتسري في عروقها وتمتزج معها الهمة والإخلاص والتفاني والتضحية وإرادة لا تلين يهون أمامها الموت في سبيل الغاية المنشودة، تكون بداية تحركها حلماً يداعب الأذهان ونهايته موجة هادرة من العنفوان يكتسح طبقات الشعب بعماله وفلاحيه وطلبته ومثقفيه (الجدد وليس الزائفين!).

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تخيلوا موجة من الغضب الهادر مسبوقة بعقل قادر على تشخيص الداء والدواء والطريق والخطوات فيكون التحرك مدروساً والمواجهات محسوبة والعقل حاضر يحرك المشهد ، ربما تطول المواجهات وتكثر التضحيات، فبقدر الوعي بعمق المرض وتشعباته وتأثيراته يكون الفعل قوياً مؤثراً يستأصل الداء من جذوره فيكون الجرح غائراً بمقدار تغوّل الداء في الجسد، لكنه ما أن يُستأصل ويتم التطهير حتى يبدأ الجسد في التعافي بعد طول مرض وهزال.

ليس حلماً لكنه أمل يحتاج للفكر ثم العمل، فاللهم هيء لهذه الأمة المنكوبة من يعالجها ويشفي أمراضها وينصر مستضعفيها ويقلب أحوالها رأساً على عقب حتى يصير مملوكها عزيزاً و ظالمها ذليلاً وبردها دفئاً يٌصب على شتاء المحرومين.

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.