مقالات

بشائر الفجر تلوح

تلك النفوس التي كان ملؤها الحماس والتي عانت من الظلم والبؤس والحرمان ، تلك القلوب التي كان تتوق لغد أفضل لوطنها فنزلت وواجهت النظام الظالم كانت تظن أن المعركة داخل جدران الوطن وأن تفتيت الظلم كفيل برسم الطريق معبّداً لدولة العدل المأمولة.

بدأت الرحلة بثورة 25 يناير التي رفعت شعارات المظلومية وطالبت بالحد الأدنى من الحياة الكريمة للشعب فانتهى بها المطاف للاصطدام بواقع داخلي أكثر بؤساً مما كان في مخيلة الحالمين ، وشيئاً فشيئاً بدأت معالم الصورة تتضح لتجيب على أسئلة:

لماذا لم تتحقق الأهداف؟

لماذا تتكرر السياسات من كل من يحكم؟

لماذا لم نتحرك قيد أنملة في طريق الاستقلال أو العدالة الإجتماعية؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لماذا تزداد الأمور بؤساً ويزداد النظام توحشاً في المقابل؟

لماذا لا نرى ضوءاً ولو باهتاً في نهاية نفق البؤس هذا؟

و بالتجربة بدأ البعض يدرك شيئاً من الصورة الكلية (تلك الصورة التي كان من يدعو لها يواجه بشتى صنوف السخرية وتُكال له الإتهامات بتبي نظريات المؤامرة أو الحياة داخل عالم من الأوهام) القضية التي بدأ الوعي يزداد بها أن ثورتنا المكلومة شعاراتها غير قابلة للتحقق في ظل النظام العالمي الحالي.

فالثورة نادت بالعيش وبالعدالة الاجتماعية وهذا مخالف لجوهر النظام العالمي القائم على نهب ثروات الشعوب والدول.

والثورة نادت بالحرية والتحرر من كل القيود وهذا مخالف لجوهر النظام العالمي القائم على ربط محكم لكل الأنظمة بمباديء اقتصاد السوق الذي يتصوره السذج غير موجه ، ويدرك المدققون أنه موجه لقبلة واحدة :

حيازة الثروات وتركيزها بيد فئة قليلة لتمتلك مقدرات العالم.

بدأ العقل البسيط يدرك ألاّ حل لثورتنا الوليدة إلا أن تلتحق بمثيلاتها من الحركات والتيارات والدول المنادية بتفكيك هذا النظام الظالم وإقامة نظام عالمي جديد قائم على العدل.

وهذا الحل كغيره من التحركات يحتاج لوعي عميق يبدأ ليسري في عروق كل المستضعفين من شعوب العالم لمواجهة نظام عالمي أخطبوطي يتصور أنه يستطيع امتلاك العالم بقبضته.

أرى بشائر هذا الوعي تحدث في جنبات العالم، ومنها وطننا الحبيب وتسير في اتجاه توحيد القوى والعمل المنظم.

وكأني أرى امبراطورية نهب الشعوب تتهاوى فتنسحق تحت أقدام المظلومين وتنسحق معها كل أدوات السيطرة والتجهيل وصناعة الحروب والنفخ في النعرات الطائفية والعرقية وإسالة الدماء الإنسانية رخيصة على مذبح النهب المستمر.

أراها تتهاوى لمصلحة نظام عالمي إنساني لا يفرق بين أجناس البشر وليس له هم سوى أنجاز العدل ومداواة تبعات الظلم ورفع الموانع أمام بني الإنسان لمعرفة الحقائق وتحقيق حلم الأنبياء والمصلحين والفلاسفة الحكماء بالمجتمع العادل والمدينة الفاضلة.

نعم أقول المدينة الفاضلة !!

الآن هو حلم لكنه من تلك النوعية التي تبدأ في جدران الخيال لتتحقق على أرض الواقع!!

ذلك الحلم الذي إن مات في عقولنا وقلوبنا فأي حلم دونه هو الوهم ، وأي هدف تحته هو محاولة للهروب من قضية أن افتقاده وإخراجه من دائرة الأهداف الإنسانية الأصيلة تعني شيئاً واحداً : ضياع الهدف من وجود المجتمع الإنساني وصيرورة الحياة المجتمعية لبني البشر حالة من العبثية المطلقة ، فتموت معها كل قيمة ويُدفن بجوارها أي طعم لوجود إنساني حكيم يحمل في طياته سبباً مقنعاً للوجود وهدفاً يستحق التضحيات ونهاية مُشرفة للوجود الإنساني على سطح هذا الكوكب؛ لتبدأ بعدها الحياة الأخرى كتتمة للأولى وحصادٍ عادل لما أسلفته البشرية في وجودها.

قد تقولون إنه حلم بعيد المنال،

لن تصدقوني إن قلت أنني أرى بشائر فجره تلوح !!