مقالات

رأسمالية آلهية.. هل يمكن ؟!

رأسمالية آلهية.. هل يمكن ؟!

لو انطلقت من أسفل لأعلى باحثاً عن ميزة هنا أو هناك فلن تعدم المزايا الجزئية في النظام الرأسمالي .. لكن التقييم الموضوعي لأي نظام اقتصادي أو سياسي ينبغي أن يبدأ من أعلى … من الفلسفة والفكر الذي أفرزه … وعند الحديث عن الرأسمالية كمثال وتتبع منابع الفكر التي أفرزتها نجد بوضوح أنه فكر يؤمن دون مواربة بعالم المادة وبأن الوجود يساوي المادة … ولا يكاد يعتبر أن قضية العالم المجرد من المادة هي قضية علمية ذات قيمة ..

مثل هكذا فكر من الطبيعي ألا يعبأ بقيمة من ذلك العالم المجرد وقضاياه التي يعتبرها في أفضل الأحوال قضايا شخصية وتجارب نفسية .. بل من الحتمي أن يعتبر أن السعادة الحقيقية هي في الوصول لأقصى درجات الرفاهية المادية والنهل بقدر المستطاع من متع وملذات ذلك العالم ..

وفي سبيل تلك السعادة الموهومة .. يمكن تحطيم كل الأطر التي تكبلها وتقف حجر عثرة أمامها … فكان ربما الشعار البراق الذي يجد الكثير من الآذان المصغية .. إنه شعار تمجيد الحرية الشخصية .. كمبرر ومصوغ يبدو للوهلة الأولى منطقياً نحو إطلاق العنان للشهوات وتحطيم كل إطار يحد منها ويقننها …وذلك بطريقة ذكية مهذبة براقة تلتحف بشعارات يمكن تسويقها وخداع الشعوب عن طريقها.

إن التأمل الدقيق للكثير من الشعارات البراقة المرفوعة والمسوقة إعلاميا بحرفية ومهارة شديدتين … مثل السوق المفتوحة … ورفع القيود على البضائع … وحرية انتقال المال دون قيد أو شرط … وغيرها الكثير .. تظهر بجلاء وكأنها مصاديق وأمثلة وتطبيقات للفكرة الأساسية …

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ولنحاول النظر للقضية بمثال صغير .. فلو أنك شخص لا تلقي بالاً بقضية الإيمان والتصديق بعالم ما وراء المادة وما يحمله من قيم وأهداف والتزامات .. وهب أنك تؤمن عمليا بعالم المادة وبأنه هو الوجود وليس ثمة ما وراءه … ألن تبرمج حياتك على وفق هذه الرؤية ؟

ألن تعتقد حينها أنه طالما لا يوجد شيء خلف المادة .. فجدير بك أن ترسم الخطط والبرامج لتحقيق السعادة داخل ذلك الإطار المادي ؟

ألن تعتبر أن كل ما يقف في طريق سعادتك الموهومة تلك هو عدو ينبغي إزاحته والقضاء عليه أو تحييده وضمه لطريقك لو لم تستطع هزيمته؟

لا تستنفذوا طاقتكم كلها في النظر في تفاصيل هذه الرأسمالية وجزئياتها .. حتى لا تغرقوا في تفاصيلها ونظرياتها المتشعبه وتنسوا الفكرة الأساسية التي انبثقت منها هذه النظرية الاقتصادية ..

فليس مأمولاً ممن اعتبر القيمة نسبية والحق متغيراً والمادة أصل الوجود أن ينجح في تقديم أطروحة واقعية لعلاج آلام البشرية و وعلاج يمكن به الوصول للسعادة وتحقيق العدل ..

ولا نبالغ إن قلنا أن أصل الداء يبدأ من معرفة الحقيقة وإدراك طبيعة الوجود وحقائقه فمن هذه النقطة المفصلية تنقسم الرؤية الكونية بين جموع بني الإنسان لنوعين :

نوع مادي تحدثنا عنه وتشعب منه الكثير من الأطروحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..

ونوع آخر معنوي يؤمن بما وراء المادة ويؤمن بقيم واضحة ثابتة مطلقة ويبحث عن تحقيقها في عالم المادة المتزاحم .. وهو أيضا لديه اطروحاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ..

ومن الحكمة عند تبني أي أطروحة جزئية أو تفصيلية العودة بها لمنبعها الأصيل ليكون الاختيار واضحا من بدايته … وليس التقاطيا مجتزءً مبتوراً … فلينظر كل منا للوجود من حوله وليجيب عن الأسئلة الأساسية له وليكن ذلك أول همه ثم يحدد موقفه من القضايا الاساسية الوجودية أولاً..

ثم بعد ذلك ذلك ينطلق في استكمال ذلك البناء المعرفي ليضيف إليه الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره بما يتسق مع افكاره الاساسية ليصبح وجوده ذا معنى ويصير إنسانا لديه ما يؤمن به ويسعى لتحقيقه … بصياغة أخرى ليكتسب وجوده المعنى..

دون هذه النظرة القياسية المنطلقة من الكلي للجزئي ستختلط الأوراق كثيراً وتتوه المعاني وتتشوه الأفكار وتتشوش …فيتبنى صاحب الفكرة الإلهية المجردة نظرية المادي الإقتصادية ظانا منه ألا ضير منها و يمكن تهذيبها وتطويعها ناسياً أو غافلاً أو متجاهلاً منطلقاتها الأولى وفلسفتها المناقضة لما يقول أنه يؤمن به !!

فهل يمكن القول عندئذ ان الرأسمالية المادية تصلح كروشتة اقتصادية لفكر معنوي ؟؟!!

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.