مقالات

أفلم يسيروا في الأرض

أفلم يسيروا في الأرض

الأحداث التاريخية لا تحدث مصادفة، أو بشكل فوضوي وإنما باستقراء التاريخ والأحداث التاريخية، يتبين أن هناك قواعد وسنن تتحكم في حركة التاريخ وحياة الشعوب .. بل وإنه من الواجب على أي أمة أو أي نظام سياسي أواجتماعي أن يتدارس هذه القواعد وهذه السنن، حتى يستطيع الوقوف بقوة ونجاح ويصنع تاريخه بنفسه ..

“لكل أمة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”

كنت دائما أمر على هذه الآية أتساءل هل للأمم آجال وأعمار؟؟ وكيف يجيئ أجل أمة وتنتهي وفيها صالحين ومصلحين؟!.

وكنت أقرأ الآية “وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا” فأتساءل أيضا: هل يؤاخذ الله الناس جميعا بما كسبوا دفعة واحدة؟! وهل يحاسب الله الأمم والشعوب ؟ وأليس هذا يتعارض مع العدل الإلهي، فكيف يعاقب الله شعبا كاملا؟! وبالتأكيد هناك حالات فردية مختلفة داخل الأمة الواحدة؟!.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

من الواضح أن الأمر أعمق وأكبر من هذا التصور البسيط ، فحساب الأمم والأنظمة السياسية والاجتماعية، ليس كحساب الأفراد الذي يبنى على قاعدة “كل نفس بما كسبت رهينة”.

إن أي أمة هي كأي موجود ، وكل موجود يحمل بين طياته عمره الافتراضي ، وبالتأكيد هذا العمر يطول ويقصر حسب ما يحمل هذا الموجود من مقومات للحياة والاستمرارية، فحينما يصنع شيئ ما بجودة عالية وخامات قيمة وأيدي ماهرة، فإنك بالضرورة تعلم أنه معمر والعكس صحيح ، قد يرى البعض في هذا المثال سطحية أو ابتعاد عن المراد اثباته ، لكن الحقيقة أن الشعوب والأمم حين تبدأ نهضتها يجب أن تكون ماهرة ومدركة لمقومات الحياة والاستمرارية ، دارسة بفطنة وذكاء لسنن التاريخ وقواعده وقوانينه، فأي نظام سياسي أو اجتماعي يحدد منذ بداياته عمره الافتراضي حتى لو كان ذلك دون أن يدري ، فرؤيته الكلية التي يبنى عليها قواعده الأيدولوجية وسلوكياته تحدد بشكل آلي وحتمي قدرته على الاستمرار والتطور.. إنها مجموعة معادلات حسابية وقوانين غاية في الدقة، قد لا يستطيع العقل تصورها بكافة جزئياتها، إلا أن العقل والعلم والتجربة تؤكد وجودها ..

فكل نظام سياسي جديد يريد أن يبني أمة ويؤسس لنهضة حقيقية طويلة الأمد، عليه أن يحدد رؤيته بثبات ويعلم أن مدى التزامه بهذه الرؤية السليمة هي التي تمده بالبقاء، أما اذا كانت رؤيته فيها خلل فبالتأكيد أيدولوجيته وسلوكياته ستكون بالضرورة بها نفس الخلل، لأن ما بني على باطل باطل بكل تأكيد ..

وهذه الرؤية تتأسس بناءً على وعي وإدارك لسنن التاريخ، التي تؤكد أن كثيرا من الأنظمة بنت رؤيتها بشكل مغلوط فاستمرت بقدر ما، ثم اندثرت مع ما يندثر تحت التراب، وأمم وأنظمة أخرى استطاعت أن تؤسس رؤية سليمة وفاهمة للواقع فاستمرت وخلد ذكرها وبقي تأثيرها في الأرض إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله .

فالبعض الذي بنى رؤيته بشكل مادي خالص انتهى بانتهاء وجوده المادي. والبعض الذي بنى رؤيته على عنصر القوة وكان مبدأه”الحق هو القوة” فقام يضع لكل مشكلة حلا أمنيا وحلا تعسفيا وقهرا وتكميما للأصوات، سرعان ما انتهى فور تداعي قوته التي كان يعتمد عليها، وفوجئ أنه لا يساوي شيئا في حقيقته بعد تداعي قوته.

والقوة في آليات وقواعد الزمن لها عمر بالضرورة قد يقصر وقد يطول ولكن لا محالة منتهي. وصاحبها في الغالب لا يلقي بالا لذلك اليوم الذي يتحدث عنه القرآن “بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا” .. فلن يجد لنفسه حاميا ولا ملاذا يفر إليه.

المقصود بانتهاء وعقاب الأمم هو ذلك الانتهاء الذي يصل إليه أي نظام اجتماعي أو سياسي،فيقول ساعتها ياليتني وياليتني، وبعد هذا الانتهاء تأتي ساعةالحساب التي لا ينفع فيها سلطان ولا عسكر ولا بطش ولا تكميم ولا مصالح محسوبة ولا تنازلات سياسية لقوة أكبر وإنما فقط “إلا من أتى الله بقلب سليم” .. والقلب هو عقل الإنسان الباطن الذي يحمل رؤيته الكونية وأدراكه للواقع وفهمه للمفاهيم المجردة كالعدل والحق والخير والظلم ..إلخ

إنه حساب دنيوي تحاسب به الأمم في اندثارها أو بقائها ، تحاسب فيه الأمة كلها أن كل شخص فيها له تأثيرفما هي أي أمة سوى مجموعة من الأفراد يؤثرون ويتأثرون ببعضهم البعض.. وكل انهيار يكون مسئول عنه كل فرد في الأمة صحيح بشكل متفاوت يصغر ويكبر، إلا أنه بالتأكيد كل شخص يتحمل قدر من المسئولية عن ذلك الانهيار.

أما حسابه كفرد فهذا شأن آخر هو ليس موضوع حديثنا، وإنما موضوعنا عن بداية الأمم ونهضتها ونهاياتها في قواعد التاريخ.

إن الإنسان جاء ليعمر الأرض، ولكن عليه أن يسير فيها أولا ليرى ماذا فعل من كان قبله، فلا يبني على أرض لا يعرف قواعدها وقوانينها، سيروا في الأرض أولا ثم عمروها .

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.