إصداراتمقالات

الثقل

يحكى أن قديما قام مهندس بتصميم مبنى ليكون مكتبة عامة وضع به كل خبراته وقدراته ليخرج فى النهاية بتحفة فنية خلبت الألباب وأبهرت كل من ساعده حظه الحسن على رؤية تلك المنحوتة المعمارية إلا أن بمرور السنوات لاحظ الجميع ان المكتبة تنخفض بمقدار سنتيمترات قليلة حتى تم هدمها بعد أن أدرك المهندس أنه نسى حساب ثقل الكتب!!! وهكذا بهذه البساطة انهارت تلك التحفة المعمارية وانتهت وعلى ما يبدو أن هذا ما تتم ممارسته بكل شراسة الان.

فحين خرجت الثورة الى النور على أكتاف الوف -أصبحوا ملايين فيما بعد- من الشباب المخلص الغيور على وطنه الرافض لاستمرار الظلم الذى حاق بكل شىء وفاحت رائحته العطنة حتى أزكمت الأنوف لتظهر على العالم ثورة من اعظم ثورات البشرية انتظر الكثير بعدها ان تخرج بمصر من الظلمات الى النور الا ان بعد عام ونيف ونحن على أعتاب اكمال الثورة لعامها الثانى لا نملك سوى أن نلاحظ أن الثورة تغرق بمعدل ملحوظ حتى لم يعد يبقى منها سوى بعض الشعارات والأغانى.

ومع هذا الانخفاض المستمر للثورة حتى تكاد تدفن تحت التراب فلا يظهر لها أثر مجددا بدأ يظهر أن العامل الاساسى الذى لم تضعه الجموع الغاضبة فى حسبانها هو الثقل الذى أودى بالمكتبة قديما غير أن ثقل الثورة يختلف فهو ثقل النخبة والرموز (الوطنية) التى أثقلت كاهل الثورة وشبابها بصراعتهم المختلفة وتكالبهم على السلطة حتى لم يعد واضحا للعيان الفارق بين حب الوطن وحب كراسيه!!! الا أن المؤلم حقا ليس فشل الثورة الذريع الذى لا ينكره سوى جاهل او احمق بقدر ما يفعل تأثير هذا الثقل بداخل النفوس.

فشباب جماعة الاخوان المسلمين الذين وقفوا يوم موقعة الجمل حماة ودروعا للثورة بكل أطيافها لم يلبثوا أن تحولوا لمليشيات تطارد رفقاء الامس فى معركة الاتحادية التى يندى لها الجبين ويخجل الوطن أن تقترن باسمه التى كانت نتاج لحلقة جديدة من حلقات صراع السلطة التى يتجاهل فيها الشيوخ وعواجيز الفرح ما يحدث فى الربوع والنجوع من فقر مدقع وايام تبدو بلا نهاية امام فقراء هذا الوطن الذى لا يعنى لهم كثيرا من يحكم او ماذا يحكم بقدر ما يهمهم أن يجدوا قوت يومهم.

وعلى الجانب الأخر نجد أن شباب القوى المدنية الوقود الحقيقى للثورة على مدار العامين السابقين بعد أن كان يوما يقف محاربا فلول الوطنى مناديا بأن لا ثورة ما استمروا هؤلاء على الساحة يصفقون ويستبشرون -الا من رحم ربى- بتلك التحالفات المريبة مع رموز الحزب الوطنى القديم وأذياله بعد أن نجح رموز الحركة الوطنية فى اظهار أن العدو الحقيقى والرئيسى ليس من أودى بالوطن الى ما هو فيه خلال ال 30 عاما المنصرمة بل القوى الاسلامية -سواء اتفقنا معها او رفضناها- التى لم تلبث فى الحكم عاما وربما أقل ولتذهب مصر الى الجحيم حتى لو أودى ذلك الى أن تسيل الدماء انهارا فى حروب أهلية وما المانع فقد سالت أنهارا من قبل ولم تهتز لتلك الرموز شعرة فى اتجاه الاتحاد والتوحد!!!!.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لتظهر تلك الاحداث الأخيرة أن العدو الحقيقى ليس الخارج -برغم قوته وتحفزه- بل هو أنفسنا فنحن من نستمر فى قتل أنفسنا بلا رحمة كالطفل الذى يجرح نفسه كى يخيف أمه وأنه كى تستقيم الثورة لابد من أن نزيح أثقالنا أو نقومها ولا نستمر فى تحمل عواقبها بعد الان حتى لا يأتى وقت لا يمكن فيه الاستمرار فى انخفاض منظوماتنا الفكرية والاخلاقية فنقبل الهجوم على رفاق الميدان او القبول بالفلول فى صفوفنا فلا يصبح باق امامنا سوى هدم ما تبقى من قيم الثورة والعدل بداخلنا لتكون النهاية الحقيقية للثورة.

فى ظل تلك الظروف والملابسات الا أنه هناك بارقة أمل تطل علينا بعد أن أظهرت حلقة برنامج البرنامج الأخيرة التى وجه فيها باسم يوسف انتقادا للجبهة الوطنية مدى رفض القواعد لما تفعله رموزها وقيادتها فى كل تيار الا انها تنقاد على أمل أن يحين وقت الحساب فيما بعد الا أنهم يتجاهلوا حقيقة أنه لا يوجد غد اذا ما استمرت تلك الأثقال فى قيادة الوطن الى الهاوية بلا تفكير وسأظل على أمل أن تستفيق تلك القواعد يوما مما تقاد اليه لتنهى بيدها أزمة الاستقطاب العنيف وتضع رؤية صادقة لانقاذ الوطن مما هو فيه ليبدأ عصر جديد عصر تكون فيه نهضة حقيقية…بالعقل تبدأ.

 

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية