مقالات

سلسلة شرح الفلسفة السياسية ( الجزء الثالث ) : تأثير النخب في المجتمع

كيف تؤثر النخب في المجتمع؟

قلنا إن للإنسان جسدًا ونفسًا، تتحكم النفس في الجسد وتديره، وتستعمله لتحقيق أغراضها، كما تعمل على رعاية مصالحه لكي يستمر استعمالها له، وقلنا إن النفس تقوم بالإدراك أو المعرفة، كما تقوم بتحريك الجسد، وقلنا إن قوى النفس المدركة هي الحس والخيال والوهم والعقل، وأن قواها المحركة هي الشهوة والغضب والعقل أيضًا، وقلنا إن كمال الإنسان الحقيقي هو كماله العقلي، الذي يكون على مستوى الإدراك بمعرفة الحق، وعلى مستوى الحركة بعمل الخير الحقيقي.

الحركة الإنسانية

والحركة الإنسانية كي تتم لا بد من مراحل، فأولًا يأتي الإدراك، مثلما تدرك بحواسك مثلا أن أمامك طبقًا شهيًا من الطعام، والقوى المدركة هي الحس والخيال والوهم والعقل كما سبق.

بعد الإدراك يأتي الشوق، فعندما ترى هذا الطبق الشهي تميل له شهوتك فتشتاق إليه، والقوى المشتاقة هي الشهوة والغضب والعقل.

بعد الشوق تأتي الإرادة، فقد يشتاق الإنسان بشهوته للطبق الشهي الذي يراه، لكن تأبى إرادته أكل الطبق لما فيه من سموم أو سعرات حرارية أو مثل ذلك، والإرادة هي محصلة ميل القوى الثلاثة، فالشهوة مالت لأكل الطبق لكن العقل مال إلى تركه، وتغلب العقل هنا فكان ما يريده الإنسان هو الترك.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

بعد الإرادة تأتي الحركة، وتقوم بها القوة المنبثة في العضلات، فقد يريد الإنسان الوصول للطبق وأكله لكن لا يستطيع بسبب مرض في العضلات أو بسبب تكبيل جسده بالسلاسل مثلا.

التأثير في الإنسان

التأثير في الإنسان إذن قد يكون عبر التأثير في نفسه أو جسده، والتأثير في النفس قد يكون عن طريق العمل على قواها المدركة أو المحركة، والتأثير في المحركة يبدأ بالتأثير في المدركة لأن أول الحركة إدراك كما سبق.

والتأثير في القوى المدركة قد يعمل على الحس أو الخيال أو الوهم أو العقل، فيخاطب الحواس بما تدركه مثل الأصوات والروائح والألوان والصور المؤثرة في الحس، والتأثير في الخيال يكون عن طريق المخيلات وهي الأمور المحركة للخيال، مثل الشعر والأدب والفنون كالموسيقى والغناء والتمثيل وغير ذلك، والوهم يدرك الجزئيات وله دور مهم في التحرك لها، فيكون التأثير فيه باستخدام الموعظة والخطابة التي تتناول الأمور الجزئية.

والتأثير في العقل –على مستوى الإدراك- يكون عن طريق التأثير في فهمه أو في حكمه، فالفهم قد يكون لحقيقة الشيء وقد لا يعبر عن حقيقة الشيء، وقد يكون تاما أو ناقصا، والتأثير في الفهم يكون عبر استخدام المفاهيم والمعاني والتعريفات والشروحات، والتأثير في الحكم يكون عن طريق الأدلة؛ فيتم سوق الأدلة للعقل لكي يصدق بما يريده المؤثر، والأدلة منها الصحيح ومنها الفاسد، ومنها ما يعتمد على معلومات صحيحة ومنها ما يعتمد على شبهات أو أوهام أو أحكام مسبقة مشهورة أو مسلم بها أو مقبولة،

فإن كانت الأدلة صحيحة ومعلوماتها صحيحة فهذا ما يسمى برهانا، كما توجد طريقة أخرى للتأثير في الحكم والتصديق هي الجدل والمعتمد على المسلمات الموجودة عند الإنسان وأفكاره المسبقة، وهناك الإقناع بالخطابة أيضا المعتمدة على ما يقبله الإنسان وعلى أشخاص يثق فيهم، وهناك الخداع والتضليل بالمغالطة المعتمدة على الشبهات والأوهام.

التحكم في الشوق والإرادة والحركة

أما على مستوى الشوق فالتحكم فيه يكون عن طريق التحكم في الإدراك، فميل القوى المشتاقة لما فيه كمالها هو ميل لا إرادي في الإنسان، فإن أدرك أن شيئا ما فيه كمال له يميل ويشتاق إليه، فيكون التحكم في الإدراك هو بوابة التحكم في الشوق، فمثلا إن توقف الإنسان عن الاستماع لخطاب التحريض والكراهية فسيقل انبعاث القوى الغضبية لديه لكراهية الآخر، وإن اقتنع عقله بقبح ذلك فسيساعده هذا على عدم الميل إليه، وهكذا…

أما التحكم في الإرادة فيكون عن طريق التحكم في الإدراك والشوق أولا، بالإضافة للقيام بالعمل بمقتضى المطلوب بتكلف وبتدريج واستمرار، فمثلا لتقوية إرادة الإنسان على بذل المال؛ يتم ذلك بتكلف البذل أول الأمر بملبغ يسير والاستمرار على ذلك وزيادته تدريجيا والمواظبة عليه حتى يصبح ملكة راسخة في النفس، ومما يؤثر في الإرادة أقران الإنسان وصحبته وقدوته، فالصحبة والارتباط العاطفي بالآخرين يساعدان ويدفعان على الحركة وتقوية الإرادة في اتجاه ما.

أما التأثير في الحركة الجسدية فيكون عبر التأثير في كل ما سبق بالإضافة إلى التأثير في صحة الجسد وقوة العضلات ومحيط الجسد، فمثلا يمكن تقليل حركة إنسان بإصابته بالأمراض وبتقليل ممارسته للرياضة البدنية وبوضعه في سجن مثلا، وهكذا…

تأثير النخب

بهذه الطريقة تؤثر النخب في العامة، فإن كانت النخب فاسدة ستسعى للتأثير سلبا في الإنسان، وذلك بالعمل على جانبه الشهوي والغضبي، فتقوم بالتأثير في حواسه بما يثير شهوته أو غضبه باستخدام الصور والألوان والأصوات ومثل ذلك، وفي خياله باستخدام الفنون والأدب والشعر، وفي قوته الوهمية باستخدام الخطب الرنانة، وفي عقله بمحاولة تلبيس فهمه وحكمه، وباستخدام المغالطات والإقناع الخطابي والجدل، وتزيين ذلك كله وعرضه بأن فيه كمال الإنسان وسعادته فيشتاق له الفرد، ودفع الناس لعمل الأعمال التي تزيد من الناحية الشهوية والغضبية عندهم بالتدريج، وصناعة وعرض أشخاص على أنهم قدوة يمثلون ما تريده هذه النخب، ومحاربة التجمعات التي ترفض سعيهم، وفرض القيود على حركة الناس بما يحقق ما يريدون، وقد يصل الأمر للتأثير في صحتهم والحبس أو الضرب  والتعذيب بل وحتى القتل.

أما النخب العاقلة والفاضلة فمن ناحية الإدراك تقوم بتعليم العقول الحق؛ هادفة لفهم سليم لحقيقة الأشياء، وحكم صحيح باستخدام البراهين أولا ثم الجدل ثم الخطابة، وهذا هو “التعليم” كما ينبغي أن يكون.

كما أن النخب تقوم بـ “التربية” أيضًا، أي دفع الناس إلى عمل الخير، وذلك عن طريق غض الحواس عما يحرك الشهوة والغضب بشكل قبيح ينافي العقل، وغض الخيال والوهم عن مثل ذلك، واستخدام الفنون والأدب والشعر الحسن والهادف، والخطابة الشريفة، والموعظة الحسنة، وتوضيح الكمالات والسعادة الحقيقية للإنسان، وعرض نماذج وقدوة حسنة، وإقامة علاقات اجتماعية وتجمعات فاضلة، والحث على حفظ الصحة والرياضة البدنية، ورفع القيود الظالمة عن الحركة… وبشكل عام ففعل النخب العاقلة هو “تعليم الحق والتربية على الخير” بمعناهما العام في كل النواحي.

ليست تربي فقط بل تحمي أيضاً

وفي حالة قيام نظام فاضل، وقيام التعليم والتربية على خير وجه، ثم إصرار البعض على السوء والشر وعنادهم ومحاربتهم لهذا النظام وللمجتمع ومحاولة إفساده والتأثير فيه سلبا بما يضره؛ فهنا تقوم هذه النخب باستخدام الترغيب والترهيب بحدود، وبما يدفع الإنسان الباغي للاستقامة فقط لا غير، إما استقامة حقيقية أو ظاهرية فقط تدفع ضرره عن المجتمع إن أصر على إلحاق الضرر بنفسه.

لكن كيف يقوم النظام الفاضل؟ وما هي صفته؟ تابعونا.

لقراءة الأجزاء السابقة من السلسلة: الجزء الأول ، الجزء الثاني

الأجزاء التالية من السلسلة: الجزء الرابع ، الجزء الخامس

اقرأ أيضاً .. صناعة النخبة

اقرأ أيضاً .. ثنائية الفرد أم المجتمع

اقرأ ايضاً .. مأساة المجتمع الأزرق

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط

ندعوكم لزيارة قناة الأكاديمية على اليوتيوب

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا