تغيير المسار

تغيير المسار
منذ الأزل ويحيد البشر عن التعقل وتلعب بهم أهواؤهم، فتهوي بهم بعيدا في دوامات من الظلم والظلام، وفي كل عصر وزمان وكل دوامة ومكان، يخرج أشخاص يسيرون عكس التيار، فيتنبهون إلى ما غفل عنه الناس، فيقررون تغيير المسار ، حملوا على أكتافهم تغير الكون نحو الأفضل بعدما أفسد سلوك بعضهم المجتمع، وذلك السلوك نبع من أيدلوجية فاسدة، نبعت من رؤية كونية خاطئة، كان سببها فكرة فاسدة، فيزين الفاسد أفكاره فينساق وراءه المغيبون الذين لم يحكموا عقولهم في تقبل أفكار وآراء الغير، فيصير المجتمع في حالة من غياب العقل، فيرى بعضهم نور الحكمة والحق والحقيقة، فيرشد الناس إليها وتكون تلك هي رسالة الكثير ممن أراد تغيير المسار للكون للأفضل، يعيش حاملاً للرسالة داعيًا إليها، أدركها أم لم يدركها، فليس شأنه ألا السعي أما النتيجة فليس من الضروري أن يراها بعينه، وذلك ما يسمى الإخلاص.
فكرة تغيير المسار للكون ليست جديدة علينا، فالصالحون والزعماء والقادة الثوريون، والفلاسفة والحكماء كان غايتهم تغيير الكون نحو الأفضل، ولكن التحديات التي تواجه هؤلاء قوية جدًا، فبعضهم يُقتل مثل سقراط ويعانون في حياتهم ولكن التاريخ خلد ذكرهم، ولما أعملنا عقولنا أدركنا كم هو عظيمٌ فكرهم، بالرغم من بعد الزمان بيننا وبينهم، لماذا لا نكون منهم ؟! من حاملي رسالة تغيير الكون.
أنا وأنت وغيرنا نقدر على تغيير الكون بأسره نحو الأفضل، لماذا لا نضحي في سبيل تلك الرسالة؟ ما هي الموانع؟ ولماذا لم تؤثر فينا الدوافع التي تؤدي لحمل الرسالة؟ لعل الاجابة تكمن في الخوف من العواقب، أو ربما الرضى باستقرار الحال وإن كان سيئًا، لا نريد الخروج من دائرة الاطمئنان الوهمي إلى نور الكون الشاسع، نرضى بالأبيض والأسود كألوان لحياتنا التي اخترناها لأنفسنا في أعماق الكهوف، لأننا ما علمنا غيرها ألوانا، ولما أدركنا خضرة الزرع وصفاء الماء وبديع لون السماء، فإما أن نهرب من الكهف وحدنا ونتمتع بالحياة، أو نعود ونحاول مع من لم يرَ ما رأينا فيصدنا فنيأس فنرجع للنعيم وحدنا، نجونا من الغرق ومازال من نحبهم غرقى، ومازال الكثير والكثير داخل دوامة الوهم والخداع، أو نعود فنصدمهم بالواقع والحق والحقيقة فنعذب ونقتل، فأين السبيل؟
السبيل في أن نخوض طريق التغيير ونستشهد فيه وإن كان تحقيق الرسالة مستحيلا.
ولكن لماذا لا يستمع الناس لك ولرسالتك؟ هل لأنهم لا يرون ما ترى؟ أم أنهم راضون بحالهم؟ أم أن التغيير ضد أهوائهم، ولو حكّموا عقولهم لتوصلوا إلى ما هو حق وحقيقة، إذاً فالعيب فيهم، وربما يكون فيك، إذ لم تكن قدوة، أو لم تؤمن بالرسالة حق اليقين، أو قد يكون العيب في طريقة التطبيق، كيف توصل الرسالة لهم، أو أن ملامح الرسالة غير واضحة لنا، أو ربما لم تحسن اختيار الطريق الذي يوصلك لرسالتك، في النهاية فكرة التغيير إلى الأفضل فكرة صحيحة وسليمة، فربما الخطأ في مطبق الرسالة أو المطبق عليه الرسالة أو في طريقة تطبيق الرسالة.
يذكر التاريخ ويخلد من صار عكس القطيع، أما من رضي بالظلام فيظل مدفونا في كهفه، حتى وإن نقبنا عنه فلن نجد إلا جثته متعفنة وربما تحللت، كونك تسير في طريق التغيير يعني أنك تترك أثرا في أعماق نفوس الآخرين وتصير قدوة يسير على دربك الكثير، فلو افترضنا أن المجتمع انطفأ فيه نور الصحوة والتغيير، وظلت معدلات الظلام تزيد فماذا سنجني في النهاية سوى عالم مظلم لا يرى فيه بعضنا بعضًا.
ليس من الطبيعي أن يسود الظلام، لأن الظلام نتاج عدم وجود النور، فكن شعاعا ولو بسيطا يبصر عليه الكفيف الضليل، كن نداء الصحوة العالي أو حتى صداه، أو اهمس في أذن الغافل عن الحقيقة بالحقيقة، ولكن إياك وأن تنسى الرسالة وإياك وأن تنضم للقطيع، إياك وعتمة الجهل وغياب العقل، فإن لم تكن مناديَ الحقيقة، فقف خلفها في الصف وكن صداها، ويوم أن تشرق الشمس لا تكن من أهل الظلام، بل كن من المصدقين بنور الفجر إن لم تكن أنت نور الفجر.
في النهاية سلامة الفكرة والغاية لا عيب فيها، إنما الخطأ في المطبق أو المطبق عليه أو طريقة التطبيق، فلا تيأس وابدأ من جديد “فينبغي على من فهم أن ينبه من غفل” .
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.