إصداراتمقالات

The Curious Case of Benjamin Button

 الحالة المحيرة لبنجامين بتن

هل من الممكن أن يعود الزمن إلى الوراء؟! هذا ما حاول أن يحققه صانع ساعات بعد مقتل ابنه في الحرب العالمية الأولى، فقام بتصنيع ساعة لمحطة قطار نيو أورلينز، لكنه صممها عمدًا لتدور بالعكس عسى أن ترجع بالزمن ليعود قتلى الحرب! في نفس العام ولد بنجامين بتن. هذه هي بداية الفيلم الخيالي الدرامي “حالة بنجامين بتن المثيرة للفضول” إنتاج عام 2008 والذي فاز بثلاث جوائز أوسكار وهي جائزة الأوسكار لأفضل مكياج فني وجائزة الأوسكار لأفضل تأثيرات بصرية وجائزة الأوسكار لأفضل إخراج فني. يحكي الفيلم قصة بنجامين بوتن الذي ولد على هيئة رجل عجوز في الثمانين من عمره وماتت أمه أثناء ولادته، ثم قسى عليه قلب والده فأودعه دار مسنين. تجده سيدة تعمل في الدار فتشفق عليه وتعتني به ويعيش مع المسنين ولكنه يصغر تدريجيا وحياته تمرعكس البشر، في داخله طفل صغير وجسده وهيئته رجل عجوز ضعيف.

في حياته مع المسنين فهم وتعلم بنجامين – منذ طفولته – الكثيرعن الحياة والموت، عرف أن الحياة قصيرة وأنه لا شيء يدوم على حاله مهما كان جميلا جدا أو سيئا. فمشهد الموت ونهاية الحياة بهدوء وبشكل طبيعي كان حاضرا طوال فترة إقامته في دار المسنين، ومن يفهم الموت يدرك قيمة الحياة وأهمية الوقت، فلا يضيع حياته في اليأس والحقد والكره، وكل ما يشغله عن السعي لتحقيق أهدافه ويمنعه من التمتع بالحياة بقلب مطمئن صاف. فاكتسب تسامح وتفهم واحتواء لمن حوله، فنرى أنه سامح والده بعد أن اعترف له أنه ألقى به وهو طفل مولود وقابل هذه القسوة بحنان شديد عند احتضار والده. وهذه الفكرة تحضر لأذهاننا انفصال المجتمع بعضه عن البعض، فالجيل ينغلق على نفسه ويجعل لنفسه لغته الخاصة، وكل طبقة اجتماعية  تنعزل على نفسها وتتحاشي الطبقات الأخرى، بل وحتى الإنسان نفسه تقوقع على ذاته وبعض الناس أصبحوا يعيشون في جزر منعزلة. إن مقابلة أشخاص مختلفين هو ما يكسب الإنسان خبرات عديدة وتفهم وصبر، فهذه هي مدرسة الحياة الحقيقية التي تعلم الصبي والعجوز، والغني والفقير، والمعافى والمريض.

تتوالى أحداث الفيلم ليغادر بنجامين دار المسنين في سن الشباب ليكتشف العالم من حوله فانطلق يعمل بحارا على متن سفينة، وعلى الرغم من وهنه وضعف قوته البدنية كان جريئا قويا يحاول أن يبذل أقصى جهده ليشعر بقيمته وأهمية عمله. وهذا دليل على أن روح الشباب تتميز بالنشاط والطاقة وحب العمل والجرأة والأمل مهما كانت ظروف الإنسان وقوته البدنية، أي أنه كما يقال دائما “الشباب شباب القلب والروح”. ففي الحياة يعيش بعض الناس ظروفا خاصة مختلفة عن غيرهم إلا أن هذا الاختلاف لا يجب أن يكون عائقا أن يعيش الإنسان حياة طبيعية ويقبل التحدي ويواجه واقعه بشجاعة، إذ أنه من الممكن أن تكون هذه الظروف الخاصة هي ما يميزه ويفيده و ينفع غيره.

أما قصة الحب التي يحكيها الفيلم  فأساسها هو الإحساس الصادق، فالفتاة التي أحبها بنجامين وهي طفلة صغيرة كانت حفيدة إحدى نزيلات دار المسنين، تعرفت عليه وهو في مثل سن جدتها ولكنها أحبت الطفل الذي بداخله دون أن تراه. استمر حبهما سنوات بالرغم من الاختلاف الذي يتركه الزمن على كل منهما، ثم جاءت ابنتهما إلى الحياة وبعد أن احتفلا بعيد ميلادها الأول واجه بنجامين الواقع بشجاعة وحكمة وقرر أن يخرج من حياتهما، إذ أنه خاف على ابنته أن تكبر وترى أبيها يتحول طفلا صغيرا، فرحل قبل أن تحفظه ذاكرتها ويتسبب في ألمها. في بعض الأحيان يوضع الإنسان في اختيارات تضطره لعمل تضحيات معينة، ومهما كانت تبعات اختياره فهو يتقبلها إذا كانت تضحيته تستحق ومن أجل من يستحق.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

 يمضي بنجامين آخر أيامه عجوزا تائها على هيئة طفل، وفي مشهد مؤثر للغاية يقول للمرأة التي أحبها ولكن لا يتذكرها “أشعر أنه كان لي حياة كاملة، ولكنني لا أذكر منها شيئاً”. ومع هذه النهاية الدرامية لحياة غريبة معكوسة، نفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وعظمة سنته وخلقه للإنسان، وكيف أن خلل في حياة شخص وتسييره عكس الطبيعة سبب له ولمن حوله الكثير من الألم والعذاب. كم كان صعبا عليه أن يودع أحباءه وأصدقاءه الذين كانوا يكبرون وهو يصغر، وحرمانه من أن يحيا مع من يحب و يرعى ابنته التي لم تكن لتستوعب أن تبدو أكبر من والدها. صحيح أنه هناك تشابه بين بداية حياة الإنسان ونهايتها في الضعف والوهن ولكن المغامرة والانطلاق وحب الاستكشاف يحتاج أن يكون للإنسان جسد الطفل بخفته ونشاطه. كذلك كان من الصعب على بنجامين أن يعيش آخر سنوات عمره وهو في هيئته طفل ولكنه محمل بذكريات الماضي وآلام الحياة. ففي نهاية  مشواره الغريب قال: “الحياة لا يمكن فهمها إلا إلى الوراء. يجب أن تعاش إلى الأمام”.

أما السؤال الخيالي الذي يخطر ببال المشاهد لهذا الفيلم هو “هل من الممكن أن يرجع الزمن للخلف”، هو بالطبع سؤال خيالي لأن الزمن لا يرجع وهذا هو ما يجعلنا نقدر قيمته وقيمة الوقت الذي يمر ولا يعود. كثيرا ما يأتي على الإنسان بعض المواقف التي تضعه في اختيارات قد تصنع مستقبله، واتخاذ بعض القرارات المصيرية، وذلك ينبهنا إلى أهمية أن يكون لدينا المبادئ الصلبة التي لا تقبل الشك، والتي نتخذ على أساسها هذه الاختيارات والقرارات، وهذه المبادئ لا تأتي إلا بالتفكير المنطقي السليم. من ناحية أخرى إن لم يكن بأيدينا إعادة الزمن للوراء لتحقيق حلم من الماضي أو لمنع خطأ تسبب في خسارة، فإننا نستطيع تغيير الواقع مهما كانت الظروف. من الممكن المحاولة في تحقيق حلم قديم حتى لو تأخر أو تصحيح خطأ حتى لو لم تمحَ جميع عواقبه، فالزمن يمر ويفوت ولكن الأوان لتصحيح المسار لا يفوت، إذا امتلك الإنسان الشجاعة والأمل لذلك.

نيفين ناجى

مهندسة برامج

باحثة ومحاضرة بفريق “مشروعنا بالعقل نبدأ” بالاسكندرية