إصداراتمقالات

The Company Men

تقوم الشركات الكبرى التي تعمل في النظام الرأسمالي والذي أصبح يسيطر الآن على النظام العالمي ويفرض وجوده على أغلبية الدول سواء المتقدمة أو النامية، على أساس ملكية الأفراد أصحاب رأس المال لعناصر الإنتاج والتي منها عنصر العمالة. تهدف هذه الشركات إلى تعظيم الأرباح دون أى اعتبارات أخرى، وأصحاب هذه الشركات لهم الحق المطلق في التحكم في الإنتاج والموظفين بما يحقق أعلى عائد مادي بالمنافسة مع شركات أخرى. يظن الموظف أنه بمأمن إلى أن تتعرض الشركة والاقتصاد إلى أزمة مالية كالتي حدثت في الأزمة المالية العالمية عندما عانى العالم من الركود الاقتصادي، فكان أول من تم التضحية به هو المورد البشري وليس المادي.

السؤال الآن أيهما أهم: رأس المال البشري أم المادي؟ّ! تحت مظلة الرأسمالية تكون الأولوية للمساهمين الذين يمتلكون رأس المال ويكون العائد النقدي هو الهدف الأول والأهم. ولكن هذا يتعارض مع منطق الحياة والوجود، فالله سبحانه و تعالي خلق الإنسان ليكون خليفته في الأرض ليعمرها وخلق له عقلا مبدعا ليفكر ويتعلم ويعمل وينجح، كما سخر له الأرض بثرواتها لتكون له وسائل وإمكانيات يستخدمها في مهمته الأساسية التي خُلق من أجلها. فالإنسان بعقله وعمله هو الذي يجلب المال ويطوعه ويستخدمه في عمارة الأرض، وليس المال هو الذي يتحكم به ويملكه، فالإنسان العاقل هو الذي يسيطر على شهواته المادية ويقودها في خدمه المجتمع وليس لكسب شخصي.

يتناول الفيلم سياسة الشركات الكبري في تقليص عدد الموظفين في فترات الركود وذلك لخفض التكاليف للحفاظ على الأرباح، حيث يتعرض الفيلم  لثلاث موظفين يعملون في إحدى الشركات الكبرى بالولايات المتحدة الأمريكية للاستغناء عن خدماتهم دون التمهيد لهم أو حتى إعطائهم فرصة للبحث عن عمل آخر، وهذا يوضح استهانة هذه الشركات بمواردها البشرية حتى وإن كانوا غير مقصرين في عملهم بل على العكس يساهمون في تقديم الإنجازات.

 أول من تم الاستغناء عنه هو (بوبي) الذي لا يرى للعمل إلا نمطًا واحدًا وهو وظيفة مكتبية بمرتب كبير، ويصور له غروره أنه لا يجب أن يقبل بأقل منه حتى وإن كان يحتاج للعمل، فهو يتصور أن النجاح يقاس بالسيارة الفارهة ورحلات مدينة ديزني حتي وإن كان ذلك على حساب تكبيله بالأقساط الشهرية التي تتطلب استنزافه في العمل. برر رفضه للوظائف الأخرى التي من وجهة نظره أقل بعبارة “أريد أن أبدو ناجحا”.

فهل يكون النجاح الحقيقي شكليا؟! من المؤسف أن يتم اختزال قيمة العمل ليكون وسيلة استنزاف الإنسان لجلب المال اللازم ليس فقط لشراء أساسيات الحياة ولكن لشراء الأشياء الترفية المادية التي أصبحت تملك عقل وتفكير الكثير من الناس حتى إنهم أغفلوا أهمية العمل في بناء المجتمع وإصلاحه وتقدمه. فتحقيق هذا الهدف السامي هو الذي يشعر الإنسان بالسعادة الحقيقية وليست السعادة الوقتية المزيفة التي قد تنتهي عندما ينتهي عقد العمل في شركة ما أو يتم طرد الموظف كما في الفيلم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وهذا المعني ينقلنا إلى ثانِ من تعرض للطرد هو (فيل) الذي رأى في هذا القرار نهاية لكل شئ في الحياة بالرغم من استمرار كل شئ حوله، فقال لصديقه إن أسوأ شئ حدث له أن العالم مستمر؛ فالجرائد تأتي كل يوم في السادسة صباحا وجاره يقوم بغسل سيارته يوميا ولكن حياته توقفت ولم يلاحظ أحد ذلك. أنهى حياته مع نهاية عمله ولكن ليس السبب الحقيقي هو فقدان الوظيفة بل فقدان الأمل والهدف فإذا كان هناك هدف عميق للحياة وليس مجرد البيت الفخم والرحلات والمظهر الاجتماعي، فسيسعى الإنسان دائما لتحقيقه وهذا هو الذي يخلق الأمل من جديد.

أما ثالث من تم الاستغناء عنه هو (جين) الذي ساهم مع صديقه في تأسيس الشركة من البداية، ولكن دون اعتبارات إنسانية يتحكم رأس المال مجددا ليستغني الصديق عن صديقه حتي يحتفظ لنفسه بالمكاسب المادية، ولكن (جين) كان  أكثر حظا، مالا وأملا من (فيل) لأنه كان يدخر بعض المال بالإضافة إلى عزيمته على البدء من جديد، وهو ما ساعده لإنشاء شركة صغيرة جديدة مستعينا بمن تم التخلي عنهم بالرغم من كفاءتهم.

إن التفكير في بداية جديدة للعمل ليس سهلا، ولكن أحيانا تكون بداية أفضل يختارها الإنسان بعد فهم ووعي لكثير من المتغيرات حوله وإدراكه لقيمة نفسه وقدراته. عندما طُرد (بوبي) من العمل لم يكن يتخيل أنه سيضطرللعمل مع أخو زوجته في النجارة، ولكنه بعد فترة اعتاد العمل حتى إنه تردد في تركه عندما عرض عليه (جين) العمل معه في شركته المبتدئة. اختار (بوبي) العمل في مجاله في قسم المبيعات، ولكنه عاد بروح مختلفة حيث قال بحماس “أنا سوف أفوز لأن لدي الإيمان والشجاعة والحماس”، ولم يعد يخشى أن يخسر أو يتعرض لعقبات مرة أخرى، فلا يوجد ما يخسره وهذا ما اختتم به (بوبي) الفيلم عندما قال لزملاء العمل الجديد “إننا سوف نكون على ما يرام. ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا؟ أن نطرد؟! “

بعض الناس تتعرض لنفس المشكلات والخسائر، ولكن يختلف رد فعل كل إنسان عن الآخر، وهذا يعتمد على  أسلوبه في التفكير والمنهج الذي يتبعه لتحليل هذا الموقف وعواقبه وكيفية التعامل معه. فكلما كان تفكيرالإنسان بأسلوب عقلي عميق يكون لديه هدف عظيم يمكّنه من تحدي العقبات والإصرار على الوصول لهذا الهدف، وعندما يستطيع أن يسير في الطريق لتحقيق هذا الهدف تتحقق السعادة للإنسان ويشعر بالكمال.

نهي ناجى

مدرس مساعد في الإقتصاد جامعة الإسكندرية

باحثة بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالإسكندرية