حتى لا ننخدع الاحتباس الحراري “2”

تكلمنا في المقال السابق عن ظاهرة الاحتباس الحراري وكيف تناول العلماء تأثير هذ الظاهرة على كوكبنا الأرضي، ولقد ساقوا لنا الكثير من صور هذه الظاهرة محذرين أنه في حال استمرارها ستشكل خطرًا كبيرًا جدا على هذا الكوكب، وعلى الذين يعيشون عليه (يشمل ذلك مختلف أنواع الحياة) وتناولنا جهود الدول في الوصول إلى اتفاقية جامعة لخفض الانبعاث الكربوني لتدارك ما يمكن تداركه، مع أن هذه الجهود يذهب الكثيرون إلى أننا لن نشعر بآثارها إلا بعد فترات طويلة قد تقدر بمئات السنين حتى يرجع كوكب الأرض للشكل المناسب الذي يرضاه العلماء ليكون كوكبا صالحا لمعيشتنا، ومعيشة الأجيال القادمة.
حتى إن المحيطات -مثلا- التي زادت حمضيتها وتغيرت تركيبتها بفعل الانبعاثات الكربونية والتي تتجمع منها حوالي 30 في المائة من حجم هذه الانبعاثات لتتجمع في المحيطات عن طريق نقل الرياح لها ونزولها في شكل أمطار حمضية في البحار والمحيطات، تحتاج هذه المحيطات وفقا للعلماء إلى مئات السنين لترجع إلى تركيبتها التي خلقها الله عليها. هذا مثال واحد من التأثيرات الهائلة ومع ذلك نجد شركات الوقود الأحفوري “البترول والفحم” متعددة الجنسيات تبذل جهودا جبارة لإقناع الرأي العالمي أن ظاهرة الاحترار العالمي ليس سببها الانبعاثات الكربونية المستمرة من الأنشطة الصناعية وإنما هي ظاهرة طبيعية لا أكثر وذلك لضمان استمرار بيعهم للنفط.
لا نستغرب تصرف هذه الشركات لو علمنا أن لديها أصولًا تصل إلى نحو 7 تريليونات دولار معرضة للخطر في حال قبلت الشعوب والحكومات حول العالم بالإجماع العلمي العالمي!
إن من مظاهر تأثير هذه الشركات وجهودها لمحاربة الوعي بحجم كارثة كوكبنا الأرضي هو الخوف حتى من مناقشة ظاهرة الاحترار العالمي ولو على شبكات الأخبار التليفزيونية العامة في الولايات المتحدة، حيث يشن المتربصون من تحالف (الناكرين) حملة نقد لازعة لمن تسول له نفسه الكلام عن موضوع الاحترار العالمي، ومن ثم التزمت العديد من الشركات الإخبارية الصمت حيال هذا الموضوع جراء هذا الترهيب، حتى إن برنامج “الكوكب المتجمد” الشهير الذي تعرضه قناة “بي بي سي” البريطانية والذي يحظى باستحسان الجمهور مر أولا على الرقابة قبل عرضه للجمهور على قناة “ديسكفري” الأمريكية؛ وذلك لحذف الذي جاء فيه بشأن الاحترار العالمي! وهذا شيء عجيب؛ فبما أن أحد المواضيع الأساسية في سلسلة هذه البرامج ذوبان الجليد في جميع أنحاء كوكب الأرض، فمن الحماقة حذف نقاش بشأن الاحترار العالمي! فالموضوع أشبه ويا للسخرية بعرض فيلم وثائقي عن مرض سرطان الرئة مع حذف ما يتعلق بتدخين السجائر.
هذا في مجال الإعلام، أما في السياسة أرهبت هيمنة الثروة ونفوذ الشركات في عملية صنع القرار معظم السياسيين إلى درجة أنهم يخافون مناقشة هذا التهديد الوجودي بأي وسيلة مجدية.
على سبيل المثال وظفت شركات وقود الكربون أربع جماعات ضغط مناهضة للمناخ لكل عضو واحد من مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس النواب في حربها لدحر التشريعات الخاصة بالمناخ، وقد أصبحت هذه الشركات أحد أكبر مصادر تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين في كلا الحزبين علما بأن التمويلات الأكبر تذهب لصالح مرشحي الحزب الجمهوري. بهذه الطريقة نفذوا في داخل أكبر المؤسسات الأمريكية السياسية “الشيوخ والنواب” ليضمنوا عدم مرور أي تشريعات من شأنها الـتأثير على نشاط هذه الشركات، ولا ننسى أن جورج دبليو بوش الرئيس الأسبق لأمريكا كان يعمل في إحدى هذه الشركات، وكان ديك تشيني النائب الأسبق للرئيس الأمريكي مديرا تنفيذيا لأحد أكبر الشركات.
وفي الختام… إنها حرب شرسة بين شركات الوقود الأحفوري (البترول والفحم) وبين من يرفع صوته عاليا للتحذير من هذا الخطر الوجودي على كوكبنا وحياتنا عليه ولا ندري ماذا ستكون النتيجة إن استمرت سيطرة هذه الشركات على مواقع القرار العالمي؟