مقالات

وهم الاختيار

وهم الاختيار

جلست الأسرة حول المائدة للإفطار وإذا بأحد أفراد الأسرة يقوم بتشغيل “التلفزيون” ليسليهم أثناء تناول الطعام ، فيمسك ب”الريموت كونترول” ويبدأ في الاختيار ويتنزه بين القنوات على أمل أن يجد إحداها يعرض مسلسلهم المفضل ولكنه كالمعتاد يجدها تكتظ بالإعلانات فيتساءل أحدهم:

-هو ايه علاقة “كرستيانو رونالدو” بشركات حديد الصلب؟! أو مثلا أني أكون “واد خلاصة لاصة ومية مية” بشركات الاتصالات؟! أو علاقة “الفهد المنقط” بشركات الأدوات المنزلية؟!

فيعم الضحك ويقول أحدهم:

-يا عم شوف لينا المسلسل وخلينا نركز في الأكل.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ويقول آخر في استهزاء:

-بدل ما تتفلسف وتتريق، اتعلم من “الواد الخلاصة” وبلاش حجج كل ما تنزل تشترى حاجة تقول “الطريق زحمة والطابور طويل” خليك “حرك”.

ربما يحدث هذا الحوار الأسري في كثير من منازلنا ولكن كثيرا منا لا يحاول طرح مثل هذا التساؤل: لماذا أصبحت الإعلانات تطرح بهذه الطريقة بعد أن كان كل دورها هو التركيز على احتياجات الإنسان وعرض ما يلبي هذا الاحتياج من منتجات بكل بساطة؟ لماذا هذه المبالغة والتعقيد في الحديث عن قوة الجمال مثلا وربطه بأجهزة مثل البوتاجاز والغسالة؟! أو استخدام لاعب كرة شهير للترويج لمنتج لا يرتبط بشهرته بأي رابط كصناعة “الحديد والصلب”؟! أو استخدام الأغاني وبعض عارضات الأزياء للإعلان عن “الحمامات والسيراميك”؟

 

أعتقد أن نظرية “إيفان بافلوف” عالم النفس الروسي قد تساعدنا في فهم طريقة تفكير أصحاب شركات الإعلان وتطويرهم لطرق عرض  المنتجات بهذه الطريقة وتشجيع الافراد على الاختيار لمنتاجاتهم.

عندما كان يجرى هذا العالم بعض التجارب على كلب ليفهم كيف يستجيب الحيوان للمؤثرات الخارجية ومن ثم يستطيع توجيهه وجعله يطيع أوامره بشكل أفضل، وجد أن لعاب كلبه يسيل دون أن يضع له الطعام، فتفاجأ بهذه الاستجابة التي لا تنشأ إلا في وجود “مثير طبيعي” يؤدى إلى حدوثها وهو الطعام، فأخذ يجرى المزيد من التجارب ويدون الملاحظات لفهم هذا السلوك غير المألوف، فاكتشف أنه في الوقت الذى كان يقدم فيه الطعام للكلب كان يتزامن ذلك مع صوت جرس الساعة، وما حدث أن الكلب ربط بين الجرس والطعام بصورة لا إرادية فأصبح يسيل لعابه كلما سمع صوت الجرس حتى إذا لم يكن الطعام أمامه، وهنا اكتشف “بافلوف” أنه ليست المثيرات الطبيعية فقط التي تجعل الحيوانات تستجيب ولكن أيضا المثيرات “الشرطية” التي إذا ارتبطت بالمثير الطبيعي فترة وتم تكرار هذه العملية يمكنها وحدها -أي المثيرات الشرطية- أن تنتزع الاستجابة المرجوة دون وجود مثير طبيعي “الطعام”.

ولكن ما علاقة هذا العالم وكلبه ومثيراته بما يفعله أصحاب شركات الإعلام؟!

إن محركات الحيوان الأساسية هي القوى الشهوية -أي كل ما يجلب له الخير من أكل ومشرب وجنس وراحة وأمان… إلخ -والقوى الغضبية التي تجعله حذرا ومتيقظا والتي أيضا تمكنه من دفع الضرر إذا شعر بالخوف أو التهديد. وهي ما يرى بعض -إذا لم يكن أغلب علماء النفس- أنها محركات الإنسان الأساسية أيضا فهو لا يتحرك إلا لجلب المنفعة والمتعة أو لدفع الضرر والألم “جسدية كانت أو معنوية” وبما أن الإنسان لا يختلف كثيرا عن الحيوان يمكننا -أي علماء النفس- تطبيق نظرية “بافلوف” عليه؛ فأصبحت النظرية حجر الأساس في الترويج للمنتجات التي من كثرتها وتنوعها وحتى تفاهة على الأقل بعضها أصبحت تحتاج لأكثر من مجرد عرض للمنتج . وبذلك أصبح الهدف الأساسي لشركات الإعلان أن يجسد مفهوم “السعادة تكمن في الاستهلاك وليس فيما يلبيه لك المنتج من احتياج”… وهذا لا يحدث فقط في مجال التغذية والملابس والإلكترونيات بل يعمل أيضا وبشدة في الحقل السياسي والفكري وهناك بعض الأمثلة التي يعرضها لنا أنطوني روبنز في كتابه “أيقظ قواك الخفية” وهي في فقرة تبدأ بعنوان:

“إن لم يكن لديك مخطط لحياتك، فقد يخطط لك أحد غيرك”

-لاحظت شركة “بيبسي” النجاح الهائل للمغني مايكل جاكسون وتزايد مبيعات شرائطه فتساءلت: كيف يمكننا تحويل تلك المشاعر إلى منتجاتنا؟

والإجابة بكل بساطة هي أن يقوم مايكل جاكسون بفعل ما يجيده وهو أن يصل بالجمهور لقمة الشعور العاطفي وبعد ذلك وفي اللحظة المناسبة يظهر المنتج أمام أعيننا. والنتيجة ارتفاع نسبة مبيعات الشركة بنسبة جعلت من شركة L. A Gear تتعاقد مع مايكل جاكسون بمبلغ يصل ل 20 مليون دولار ليقوم بالترويج لمنتجاتها…
ومن الأمثلة المرتبطة بالسيطرة على الأفكار كما الشهوات ذلك المثال:

-ل “روجر آيلز” المحلل السياسي الفذ والناجح في تشكيل آراء الناس وهو الذي كان المسؤول الرئيسي عن الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ضد مايكل دوكاكيس وكانت طريقته واضحة وهي ربط مشاعر الألم بالمرشح الثاني، وذلك عن طريق ثلاثة رسائل سلبية تبث ضده في الإعلام فحواها أنه يتخذ مواقف لينة ضد الجريمة وحماية البيئة وله علاقة بهروب بعض المجرمين من السجون، وعليه بذل الناس أقصى جهدهم لتجنب الألم والنتيجة فوز بوش وهزيمة دوكاكيس بأكبر أغلبية من الأصوات في تاريخ الانتخابات الأمريكية بغض النظر عن كون هذه الرسائل صحيحة أو لا؟

 

ومن الأمثلة السابقة يتضح أن مروجين الأفكار والمنتجات يوهمون الإنسان بأنه يختار بكامل إرادته ولكن الاختيار هنا يصبح مجرد وهم, حيث إنه يختار من السلع أو الأفكار التي تصب في مصالحهم فقط , كما أنه في ظل التعامل مع التلفاز والإنترنت كمصادر وحيدة وموثوقة للمعلومات, فالإنسان لا يختار أو بشكل أوضح لا يفكر ولا يقرر فهو مسيرا بشكل مباشر وغير مباشر طوال الوقت من قبل الآخرين…

الاختيار الحقيقي لدى الإنسان ينبع من “العقل” الذي من خلاله يفكر ويتخذ قراراته ويحدد أهدافه ويسأل “من أين جئت وماذا أفعل هنا وإلى أين سأذهب ولماذا أفضل هذا الاختيار عن ذاك وما الدليل على صدق هذا الافتراض وما هو الصحيح وما هو الخاطئ, كل هذا يحدث حين يفكر الإنسان ويتجرد من أهوائه قبل أن يختار, فإذا سبق الفكر الفعل وكان المنطق هو المنهج المستخدم لبناء ذلك الفكر أصبح الإنسان مخيرا بالفعل, أصبح الإنسان إنسانا وليس كما يراه أصحاب المصالح مجرد شهوة تنساق وراء ما هو ممتع دون التفكير في كون ذلك الممتع صحيح أم خاطئ, ويبتعد عن الألم دون أن يعرف حقا هل هذا الألم حقيقى ومضر أم لا؟

و لنتذكر قول د/ مصطفى محمود في هذا السياق حين قال:

“الإنسان هو إنسان فقط, إذا استطاع أن يقاوم ما يحب ويتحمل ما يكره، وهو إنسان فقط إذا ساد عقله على بهيمته وإذا ساد رشده على حماقته وتلك أول ملامح الإنسانية في الإنسان”

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

محمد خيري

عضو بفريق بالعقل نبدأ القاهرة